الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٥١ - حياة الأزهر الثقافية
الثقافة في المدارس المصرية، حريصين على تغيير العقلية المصرية المعارضة لمبادىء انجلترا السياسية، سواء بنشر الثقافة الانجليزية في مصر و مدراسها الحكومية أم بإرسال بعوث إلى انجلترا، أم بإنشاء مدارس انجليزية لنشر الثقافة الغربية أم بإلقاء زمام الثقافة في مصر في أيدي الأساتذة و المستشارين الانجليز.
و أخذت المدارس المصرية تتأثر بالآراء الغربية على كل حال، ما عدا الأزهر فإنه بقى على تقاليده الصريحة و آثر الذود و الدفاع عنها، و نجم عن ذلك أن اتسعت مسافة الخلاف بين الأزهر و رجال المدرسة الحديثة، و وجدت في مصر ثقافتان مختلفتان متعارضتان: تقوم إحداهما على التراث الشرقي القديم و التخصص له و تتمثل في بيئة الأزهر، و تقوم الأخرى على العلم و التفكير الغربي الحديث و تتمثل في مدارس الحكومة على شتى درجاتها، و في المدارس الأجنبية على اختلاف الثقافات التي تدعو إليها، من فرنسية و انجليزية و أمريكية و إيطالية .. و هكذا استقلت الحياة السياسية في الدولة عن الأزهر، و ترك الأزهر على حاله، يتصرف فيه رجاله كما يريدون، بعيدين عن توجيه السياسة المباشرة لشئون الثقافة و التعليم فيه، و فكر الغيورون على مستقبل العلم و الدين من أبنائه مليا في أمره، و رأوا حاجته الماسة إلى الإصلاح، فطالبوا بإصلاح مناهجه و نظمه، و لكن هذه الدعوات قوبلت في داخل الأزهر بعصبية متطرفة في الانكار، بيد أن رغبات الإصلاح كانت قوية جبارة، و كانت النهضة الحديثة تدفع الأزهر إلى التجديد العلمي، و كان أبرز شخصية دعت إلى هذا الإصلاح هي شخصية الإمام محمد عبده تلميذ جمال الدين الأفغاني، و كان الشيخ محمد عبده يرى أن بقاء الأزهر على حاله محال، فإمّا أن يعمر و إما أن يخرب و ابتدأ يعمل على تغيير مناهج الدراسة و الثقافة فيه: بدراسته كتابى عبد القاهر الأسرار و الدلائل، و بقراءته البصائر النصيرية، و قد علق الشيخ محمد عبده على نهج البلاغة و مقامات البديع، و هو مدين في أسلوبه لمقدمة ابن خلدون، و اهتم الشيخ بالإصلاح.
فاستصدر مرسوما بكساوي التشريف، و اهتم بمساكن الطلاب