الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٢ - بين جمال الدين و محمد عبده
و تردد محمد عبده على بيت جمال الدين، و تتلمذ عليه و على مائدة علمه و فضله؛ و بعد أيام قصيرة سافر جمال الدين إلى الآستانة، و ودعه محمد عبده و داعا حارا، و في الآستانة نال جمال الدين تقديرا كبيرا، و عين عضوا في مجلس المعارف هناك، و لكنه شعر بالدسائس و الوشايات تحاك من حوله فعاد إلى القاهرة مرة أخرى في أول المحرم ١٢٨٨ م، فعاد محمد عبده إلى التلمذة عليه و الإفادة من ثقافته.
و عرف محمد عبده من أستاذه جمال الدين أن الاستعمار الغربي و بال على الإسلام و المسلمين، و أنه يجب محاربة الديكتاتورية الملكية، و الفساد السياسي؛ و عن طريقه علم أن الأدب يجب أن يكون في خدمة الشعب و تحريره، و أنه يجب أن يتحرر من قيود الصناعة اللفظية، و أن المعنى لا اللفظ هو سر كل بلاغة، و تعود الكتابة الدينية و الوطنية في الصحف و المجلات، و بدأ يهتم بمطالعة مصادر الثقافة الإسلامية و الأدبية، و يطالع الكتب المترجمة، و يسعى مع إخوانه من تلامذة جمال الدين في إصلاح الأزهر الشريف و في الإلحاح في طلب الحكم النيابي و الديمقراطية السياسية.
و ظفر محمد عبده بشهادة العالمية عام ١٢٩٤ ه ١٨٧٧ م و أصبح مدرسا بالأزهر و دار العلوم و مدرسة الألسن، و بدأ يكون جيلا جديدا من تلامذته، ينفخ فيهم روح أستاذه جمال الدين.
(٢)
و في الخامس و العشرين من يونيو عام ١٨٧٩ م عزل إسماعيل و تولى مكانه ابنه توفيق، و قد بدأ حكمه بنفي جمال الدين من مصر، و إقالة محمد عبده من وظائفه العلمية، و تحديد إقامته في قريته «محلة نصر»، و ذلك في الرابع و العشرين من أغسطس عام ١٨٧٩ م- أواسط رمضان عام ١٢٩٦ ه، خوفا من النهضة الوطنية التي يتزعمانها، و يدعوان إليها، و قبل