الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٣٦ - الدراسات العليا في الأزهر الجامعي
و لقد عرفتها الجامعات العلمية الأولى في الشرق في أحقاب التاريخ القديم، و في شتى أطوار الحياة الإسلامية العظيمة، ففي البصرة و الكوفة، و في دمشق و بغداد و في قرطبة و القاهرة و سواها من العواصم الإسلامية ازدهرت الدراسات العليا التي كان يقوم بها قادة الفكر الإسلامي، ثم شاء اللّه أن تذوي هذه الحضارة الزاهرة، و تطفأ مصابيح ذلك النور المشرق، و أن يستكين المسلمون لأحداث الزمن و نكبات التاريخ، فحمل العلماء في هذا الاضطراب العاصف مشعل الثقافة الإسلامية، و لكن الأحداث كانت أقوى من جهودهم، فتلاشى كثير من تلك الدراسات في شتى الجامعات، و لم يبق منها إلا شعاع خافت ضئيل.
و خضع الأزهر في حياته العلمية الطويلة لهذه التطورات حتى كان العصر الحديث، و قيض اللّه لمصر و الشرق رجلا من أنبه رجال الفكر فيه هو السيد جمال الدين الأفغاني، فنفخ في حياته روح الشباب و القوة و التفكير، و كان من أبر أبنائه الإمام محمد عبده الذي جاهد في سبيل الأزهر و العلم و الدين جهاد الأبطال، و كانت أول دعوة للأستاذ الإمام رفع مستوى الدراسة في الأزهر، حتى يستطيع أن يساير النهضة الفكرية في الشرق و الغرب أولا، و أن تؤدي رسالته العظيمة ثانيا، و أنشئت على أساس أفكاره أقسام الدراسات العليا في الأزهر- التخصصات- بعد وفاته بكثير، و كان من أهم هذه الأقسام تخصصات العالمية من درجة أستاذ التي أنشئت عام ١٩٣٠ و التي حملت عبء الثقافة الدينية و العربية و العقلية في الأزهر و كلياته من ذلك العهد إلى الآن، و قام خريجوها ببحوث جديدة في شتى فروع الثقافة تجلت في رسائلهم المختلفة التي تقدموا بها لنيل العالمية من درجة أستاذ، و كانت الغاية من إنشاء هذه الأقسام هي:-
أولا- افساح مجال البحث الحر أمام الأساتذة و الكفايات الممتازة من طلبة الأزهر.
ثانيا- خلق جيل جديد من الخريجين يحملون في مستقبل حياتهم مشعل الثقافة في مصر و العالم الإسلامي.