الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٦ - الشيخ محمّد عبده و أثره في الإصلاح الديني ١٢٦٦ ه- ١٩٠٥ م
مصر بعد أن عاد من المنفى لم يكن أقل قدرا من عمله في لبنان، فقد عمل على دعم الوحدة الوطنية في لبنان، و كان كثير من شيوخ الأمة في ذلك الوقت على مثل رأيه السياسي كسعد زغلول، و حسن عاصم، و محمود سليمان و غيرهم من رجال حزب الأمة، و لكنه هو جم من هذه الناحية أكثر مما هو جم أصدقاؤه الذين كانوا على مثل رأيه، لأن الخديو عباس كان يؤلب عليه أكثر مما يؤلب عليهم، ثم لأن الناس اعتادوا أن يروا علماء الدين بعيدا عن السياسة.
لقد كان الشيخ محمد عبده- بما وهبه اللّه من غزارة علم و بعد نظر و قوة نفس و رحابة صدر- شيئا كبيرا لا يقدره حق قدره إلا أولئك الذين يتخلصون من كبرياء الغرور، و تسلط النزوات فيحكمون عليه بأنه إن لم يكن أفضل زعيم حكيم فإنه في الصدارة من حكماء الزعماء الذين تحتاج إليهم الأمم إبان نهضتها و على طول تاريخها، بحيث تخسر الإنسانية كثيرا بالتجهم لهم و التهجم عليهم في حياتهم و بعد مماتهم.
و ليس يخفى ما كان الشيخ قد لقي من العنت و دناءة الخصومة و عقوق قومه له و جحود فضله عليهم، فكانت حربهم له من جهات متعددة، فالخديوي عباس يتخذ السيد توفيق البكري و غيره وسيلة للإفساد بينه و بين رجال الأزهر و تحريض أعضاء مجلس الإدارة على الاستقالة حتى يحل محلهم من يكرهون الشيخ لكي يقفوا في سبيله. و كثير من شيوخ الأزهر يخاصمونه لانه كان لا يكف عن الدعوة إلى تحرير الأفكار من قيود التقليد حتى يكون للمفكرين أن يفهموا الدين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلافات المذهبية.
و لا ريب في أنه أيقظ الشعور الديني و أشعر المسلمين بأن عليهم أن يهبوا من رقدتهم لإصلاح نفوسهم و إكمال نقصهم غير معتمدين على الفخر