الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٩ - الشيخ محمد رشيد رضا
أن القرآن هو كلام اللّه، و أنه كتاب الوجود. تعلمون مقدار ما بذلته و تبذله العقول في استخراج جواهره منذ أنزل إلى اليوم، و لا يتم للعقل استقصاء كل ما فيه و تحديده بالدقة ما دام الوجود قائما، و لكن العقل يأخذ منه ما استكمل به وجوده، و طمأنينته في الدنيا و الآخرة على قدر فهمه. و من هنا تعددت آراء المفسرين لاختلاف وجوه النظر، و لذلك كان تفسير القرآن في أكثر العصور فن علم و جدل، مع أن التفسير يجب ان يكون زبدا مستخلصا بالمقاييس العلمية الصحيحة المستمدة من الفن و البحث، كما أن التفسير الذي لا يعتمد على مقاييس العلم و العقل، لا يسمى على الحقيقة تفسيرا للقرآن الكريم. و يجب أن يدخل في مقاييس العلم ما يستظهره العقل من أسرار الوجود بالدلائل القاطعة، و ليس من التفسير مظاهر الحياة التي تعتمد على نزعات النفس في إنسانيتها الضعيفة المضطربة. و هذا هو ما وفق إليه الراحل الكريم في تفسيره للقرآن، و في علاجه للأبحاث الدينية، فقلما كان يتعرض السيد رشيد لبحث ما يتصل بالقرآن اتصالا جوهريا إلا بقدر ما تمس له الحاجة. و كثيرا ما كان يتعرض لأقوال المفسرين، و ما يستدلون به و لكنه لم يترك القرآن في المكان الذي تتجاذبه فيه الآراء كما فعل أكثر المفسرين، بل كان في تفسيره يستخلص القرآن للعقل مؤيدا باللغة و بالشواهد و الأدلة من ظواهر الوجود. و أول من فتح هذا الطريق و عبده الأستاذ الإمام رضي اللّه عنه، و قد سار فيه تلميذه صاحب الذكرى شوطا بعيدا انتهى فيه إلى آخر سورة يوسف عليه الصلاة و السلام، و قد فسر من القرآن على هذا المنوال الحكيم اثني عشر جزءا، و هي أصعب أجزاء القرآن فهما و استنباطا، و كان آخر آية فسرها من سورة يوسف و مات على أثر تفسيره لها قوله تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
و قال في رثائه الشاعر الحاج محمد الهراوي:
أي صرح هوى و حصن حصين* * * و لواء طوته أيدي المنون