الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٣٦ - الأزهر في صحائف الذكرى
و وقف اللورد في وسط الحجرة أمام الشيخ فترة طويلة خانته فيها اعصابه و ارتبكت حواسه و شعر بأنه يتضاءل و يتضاءل امام ذلك الشيخ النحيف الجسد السابح في ذكره حتى لم يعد يشعر بنفسه.
و بعد ان مرت فترة طويلة رفع الشيخ رأسه دون ان يتحرك من مكانه و نظر الى اللورد نظرة هادئة عميقة و قال بصوت لطيف: «أهلا و سهلا»!.
ثم مد إليه يده كما يمدها الملك إلى أحد رعاياه، و تقدم اللورد فتناول هذه اليد و لثمها بشفتيه.
و استرد الشيخ يده ثم قال له: «في أمان اللّه ... في امان اللّه ..»
و خرج اللورد يتعثر، و قد أدرك ان في مصر من هو أعظم منه شأنا و أقوى شخصية.
و لكن المسجد الأزهر الآن تبدل كثيرا عما كان عليه منذ نيف و أربعين سنة فدخلته جحافل المدنية، و لم يعد ذلك المعهد الرهيب الذي يتصوره الأجانب مكتنفا بالأسرار تصدر منه الأوامر الخفية إلى المسلمين قاطبة فيخضعون لاشارته كما كان الفاتيكان في عهد ازدهار البابوية .. بل أصبح السائحون يزورونه الآن و عم يعرفون انهم قادمون على جامعة دينية كبرى أخذت من العلوم الحديثة و المدنية العصرية بكثير من أسبابها.
- ٣-
في ديسمبر ١٩٤٦ أرادت حكومة النقراشي باشا ان تنفذ رغبة ملكية بتعيين الاستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخا للأزهر، و كان الأستاذ الأكبر حينئذ بعيدا عن الأزهر، حيث كان وزيرا للأوقاف، و كان من قبل ذلك أستاذ الفلسفة في كلية الآداب .. و كان وكيل الأزهر في ذلك الحين هو الشيخ محمد مأمون الشناوي، فاستشير في الأمر، فأشار بأن هذا التعيين يخالف نص قانون الأزهر الذي يشترط في شيخ الأزهر ان يكون من بين جماعة كبار العلماء، فقيل له: إن للأستاذ الأكبر كتبا عديدة و سيقدم كتابا