الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٧٩ - عبد العزيز المراغى
و حسن سياسته، و حبه لتلافي ما يستطاع باللطف تلافيه. و لذلك ظل كثير ممن يقدرونه و يحملون عليه، يبجلونه لذاته، و يحبونه لشخصه، و يلقونه لقاء الإخوة الكرام.
و لما اختير إماما للمعية الملكية تفتحت له من الحياة سبل جديدة، ازداد بها مرانة و معرفة، و أخذ يخطو و يبرز نحو الصفوف الأولى بين رجالات الوطن. و كان إذ ذاك حركة دائبة، يؤدي واجبه الديني، و يلقى دروسه و خطبه، و يذيع في المذياع، و يكتب في المجلات، في الأمور الدينية و الإجتماعية و التاريخية.
و قد كان عبد العزيز عالما أزهريا، بالمعنى الذي يفهمه التاريخ و العرف، و مرجع ذلك- فيما أعتقد- إلى حبه العميق للأزهر، و ما في الأزهر من علم، و ما له من تقاليد.
و أهم خصوصيات العالم الأزهري- فضلا عن معرفة الشريعة الغراء- حبه الجدل و المناقشة، و قدرته على سوق الحجة و الدليل، و عدم تسليمه لخصمه في سهولة و يسر. و قد كان عبد العزيز في ذلك، من الطراز الأول، لا يكاد المرء يدخل معه في نقاش حتى يفيض بالاعتراض و الاستشهاد، و بالتدليل و التعليل، و الموازنة، حتى يصل إلى قرار الحق. يشهد بذلك تلاميذه الكثيرون في كليات الأزهر، و أصدقاؤه أعضاء لجنة الفتوى و كان زميلا لهم، قد لمسوا فيه هذه الخصوصية، خلال عضويته بها.
و كان ضليعا في معرفة الشريعة السمحة و أحكامها، خبيرا بمذاهب أئمتها على اختلافهم، بصيرا بمذاهب الكلاميين من فقهائها، و قد أخرج كتابا في حياة «تقي الدين بن تيمية الحراني»، ألقى فيه ضوءا على جهاد هذا العلامة في سبيل دينه، موضحا عقيدته، مبينا أنها عقيدة السلف، و أنها بعيدة عن مزالق المبتدعة من متطرفي الحنابلة.
و قد كان مؤرخا واعيا لتطورات التاريخ الإسلامي و تقلب دوله، منقبا عن ذلك في كتب التاريخ الإسلامي: العربي منها و غير العربي.