الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩ - سعد زغلول في الأزهر
ليلة .. و لعلها كانت المرافعة الأولى في حياته، و من أجل غرامة قدرها مليمان! و قد تحمس في دفاعه؛ و حمى وطيس المناقشة بينه و بين ممثل الاتهام إبراهيم الهلباوي، فلم تنته الجلسة إلا في الخامسة صباحا! أما المرافعة فهي أن سعد زغلول كان خامس خمسة يسكنون غرفة واحدة، و يطلبون العلم في الأزهر، و كانوا يضيئون غرفتهم بقنديل يشعل بالزيت و يكلفهم طول الشهر عشرة مليمات، يدفع كل منهم نصيبه فيها. و لكن إبراهيم الهلباوي رأى أن يضايق (سعدا) من باب المداعبة فحرض بقية المشايخ ضده متهما إياه بأنه أكثرهم انتفاعا بالقنديل، لأنه أكثرهم قراءة بالليل و لذا حق عليه أن يدفع أربعة مليمات!
و في آخر الشهر فوجىء سعد بالثورة ضده و مطالبته بالغرامة، و ظن الهلباوي أنه ربح المداعبة، و لكن سعد المحاور المداور، شرع يدافع عن نفسه، و ضرب لهم مثلا غاية في الطرافة إذ قال: لو أن رجلا علق على باب بيته فانوسا ليضيء له، فانتفعت بهذا الضوء غازلة أو ناسجة و هي في منزلها، و زاد انتاجها، فهل يعني هذا أن للرجل الحق في مقاسمتها انتاجها الذي زاد؟ كلا بالطبع! و هكذا حالكم معي فقنديلكم مشعل طول الليل، قرأت عليه أم لم أقرأ ... و ليس لكم أن تطالبوني بأكثر مما يدفعه أي واحد منكم!.
و أفحم الجميع. ثم جاءت القوانين الحديثة فأيدت مبدأه بحق الارتفاق و هو حق قانوني معروف!.
و في حارة (القرد) المتفرعة من شارع (المقريزي) خلف الأزهر منزل متهدم تنام تحت أنقاضه قصة طريفة من قصص سعد زغلول و الهلباوي و ثالث (من بلدياتهم) كان اسمه الشيخ (بسطاويسي) لم يقدر له من الشهرة و المجد ما قدر لزميله، فقد كان الفرسان الثلاثة، يسكنون غرفة أجرتها ستة قروش و لكنهم عجزوا في شهر ما لأزمة طارئة عن سدادها ... و فشلت كل المفاوضات التي حالوا أن يقنعوا بها صاحبة المنزل لتأخير الدفع، فأنذرتهم