الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٨ - الشيخ محمد رشيد رضا
لم تتأكد إلا من درس التفسير على الأستاذ الإمام، و لأن آثاره في تفسير القرآن هي أقوى الآثار و أظهرها في الإقناع و الإلزام، و لأن مفسر القرآن إذا أخلص و صدق! استحق الثناء الخالد، لأنه بصدقه و إخلاصه يشرف عقله على الوجود، و على ما وراء الوجود، و قد تحقق ذلك للسيد رشيد رحمة اللّه عليه، فالقرآن كتاب الوجود، و كتاب ما وراء الوجود، و كل من جهله، و اتجه إلى غيره مهما كان قويا في نظر نفسه، و في نظر أمثاله، فحياته غير صادقة، و سعادته لا ضمان لها، و لا استقرار، بل المسلمون إذا أخلصوا للقرآن فهما و عملا، و عرضوا جواهره السماوية على عقول البشر، فقد ملكوا كل شيء، لأن العقول من مادة السماء، و مادة السماء إذا تركزت في الأرض محال أن يطغى عليها شهوات النفس الترابية، و الانسان إذا أهمل فهم القرآن و التبصر فيه، و قد أحاط بما في الأرض علما، فليس من اللّه و لا من الوجود الحق في شيء، فحصر العقل في جزء صغير من الوجود يستخدمه في حياته المادية لا يصور الحقيقة، و لا يحقق معنى الحياة و السعادة إذ الحياة الانسانية مسبوقة بوجود لانهائي و بعدها وجود لانهائي، و من حق العقل ان يفكر طويلا في ذلك لوجود اللانهائي، و هذا لا يتم إلا بفهم القرآن. و من أجل ذلك يقول اللّه تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ و يقول: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. إن لأهل القرآن و أنصاره مرتبتين. المرتبة الأولى- هي فهم معانيه الصحيحة و امتزاجها بالعقل و الروح و النفس، فيشع منها النور و القوة بحيث يعملان عملهما في الوجود بقدر الطاقة البشرية، و هذه هي مرتبة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و مرتبة الصديقين من أصحابه و أمته إلى يوم الدين.
و المرتبة الثانية هي فهم معانيه فهما صحيحا، و امتزاجها بالعقل، و بالنفس في أغلب أحوالها، و هذه هي مرتبة كبار العلماء و الصالحين مع ما في كل من المرتبتين من المنازل المتفاوتة بتفاوت الاستعداد، و صفاء الجوهر. و اني أو من إيمانا قويا بأن السيد رشيد قد تمت له المرتبة الثانية في أرقى منازلها، و أرجو أن يكون له نصيب من المرتبة الأولى. و إذا علمتم