الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٤٠٩ - الأزهر الجامعة الإسلامية الكبرى
نفسه بعد الآية، ثم قومه بعبارة موجزة فيقول: (رب اوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحا ترضاه، و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) و يدعو بعد ذلك لوالده و جده و لمحمد (صلى اللّه عليه و سلّم)، و لعلي رضي اللّه عنه. ثم يختم الخليفة الخطبة بالدعاء للوزير و بنصر الجيش و خذلان الكفار و المشركين فاذا فرغ من خطبته قال) «اذكروا اللّه يذكركم» ثم يصعد الوزير فيحل السترين، ثم يأخذ الخليفة في الصلاة، فيبلغ الوزير عنه، ثم قاضي القضاة، ثم المؤذنون، فاذا ما انتهت الصلاة، يخلو الجامع من الناس، و يخرج الخليفة يحيط به الوزير عن يمينه و قاضي القضاة عن يساره و يعود بموكبه الى قصره.
و قد كانت الخطابة في عصور الأزهر الأولى من مهام الخليفة فنجد المعز لدين اللّه يلقي الخطبة بنفسه مكتسبا صفة الامامة، متخليا بعض الشيء عن صفة الخلافة، بل نجده في كثير من الأحيان و أثناء قيامه بواجباته الدينية حريصا على امامته، ضنينا من أن يؤديها غيره، بل نراه يحاول ان يتشبه بالنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و الخلفاء الراشدين الذين كانوا يقومون بأنفسهم بالقاء خطبة الجمعة في الجامع. و مما ساعده على ذلك ما كان عليه المعز من صفات الخطباء، فقد كان مفوها فصيحا ذا تأثير سريع قوي في سامعيه، و كثيرا ما ذهب بالناس الى حد البكاء بقوة و عظة و عظم بلاغته.
و حذا حذو المعز كثير من الخلفاء الفاطميين، فكانوا يلقون الخطبة بأنفسهم، و على الرغم من حب الحاكم بأمر اللّه للمواكب العظيمة، كان ينيب عنه وزيره في صلاة الجمعة، لأنه كان يرتج عليه في الخطبة، و كذلك كان في العصور المتأخرة، ايام الخلفاء الضعاف، فأصبح للجامع الأزهر خطيب خاص به يلقي الخطبة بين يدي الخليفة في أيام الجمع و الموالد التي كانت تحتفل بها مصر في كل عام، و هي المولد النبوي و مولد علي بن أبي طالب و مولد زوجه فاطمة الزهراء و مولد ولديها الحسن و الحسين، ثم مولد الخليفة القائم. و لم يقتصر خطيب الأزهر على ذلك، بل كان يخطب في ليالي الوفود الأربعة متقدما على خطباء المساجد الأخرى.