الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٨٩ - المذكرة الإيضاحية
الدفاعي الذي التزمه خلال تلك القرون، فلما نشطت الحياة حواليه و زالت الأسباب التي كانت تضطره إلى المحافظة و التزمت لم يجد الوسيلة الملائمة التي تعينه على الحركة المتجددة التي تلائم بينه و بين عصره مع احتفاظه بخصائصه و قيامه بواجبه لحياطة الدين و المحافظة على تراث الإسلام، من ذلك أن خريجيه لم يزالوا حتى اليوم- فيما يريدون لأنفسهم أو فيما يصفهم غيرهم- رجال دين، لا يكادون يتصلون بعلوم الدنيا اتصال النفع و الانتفاع، و الإسلام في حقيقته الأصيلة لا يفرق بين علم الدين و علم الدنيا، لأنه دين اجتماعي ينظم سلوك الناس في الحياة ليحيوا حياتهم في حب اللّه عاملين مؤثرين في المجتمع في ظل طاعة اللّه، و لأن الإسلام يفرض على كل مسلم أن يأخذ بنصيبه من الدين و الدنيا، فكل مسلم يجب أن يكون رجل دين و رجل دنيا في وقت معا، و اللّه في يقين المسلم أقرب إليه من حبل الوريد، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فليس في حاجة إلى شفيع أو وسيط يقربه إليه.
على أن العالم الإسلامي اليوم قد انفسح مداه و اتسع نطاقه و أطل على آفاق فكر جديدة و وضعته الظروف السياسية التي تمر به وضع الاختبار في مجالات شتى. و أكثره قد خرج منذ قريب من تحت النير الاستعماري و في نفوس أهله آمال ضخمة لاستكمال أسباب تحرره و نهضته و الارتفاع بمستوى معيشته.
و كانت الثقافات الاستعمارية تحاول طوال السنين التي يسيطر فيها الاستعمار على العالم الإسلامي أن تلون أفكار أهله و عقائدهم و أن تضع في نفوسهم موازين جديدة و قيما جديدة يمكن أن تباعد بينهم و بين الإسلام.
فلو لا طبيعة المقاومة في نفوس المسلمين لسحقتهم المحاولات المتوالية خلال تلك السنين و أخرجتهم عن دينهم، و لعلها قد بلغت من ذلك مبلغا ما حين أوقعت في أذهان كثير منهم أن الإسلام عبادة و قربى إلى اللّه و فناء في اللّه، و أن العمل للحياة شيء آخر يختلف عن الدين أو يتعارض مع الدين.
و ربما أوقعت في أذهان بعضهم كذلك أن المذاهب الاجتماعية المستحدثة