الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٥ - بين جمال الدين و محمد عبده
و تربيته و تحريره من الجهل و الخوف و الجمود، و إعداده لحياة ديمقراطية صالحة، و كان من تلاميذه سعد زغلول و المنفلوطي و لطفي السيد و الهلباوي و مصطفى عبد الرازق و الأحمدي الظواهري و محمد مصطفى المراغي و الزنكلوني و رشيد رضا و سواهم.
و عاد جمال الدين إلى الآستانة يقيم فيها في ظلال السلطان عبد الحميد، و أخذت دعوة جمال و محمد عبده إلى التحرر الفكري و الإصلاح الديني تنتشر في صفوف الشباب في مصر و العالمين العربي و الإسلامي انتشارا كبيرا.
و سعى محمد عبده في إصلاح الأزهر و المحاكم الشرعية و القضاء و المساجد و الإفتاء ذائع معروف، و ساح محمد عبده في الأقطار الإسلامية فقام برحلات إلى تونس و الجزائر و الشام و الآستانة و أوروبا و السودان، و هو أينما نزل، و حيثما رحل، ينشر رسالته، و يدعو إلى الإصلاح و التجديد.
و مات جمال الدين في الآستانة في صباح الثلاثاء الخامس من شوال عام ١٣١٤ ه- التاسع من مارس عام ١٨٩٧ م و دفن فيها، و بعد سنوات ثمان مات محمد عبده في الثامن من جمادى الأولى عام ١٣٢٣ ه- ٢١ يوليو عام ١٩٠٥، و ذهب الإمامان إلى ربهما راضيين مرضيين بعد أن أديا رسالتيهما على خير الوجوه، و جاهدا في سبيل الإسلام و المسلمين جهاد الأبطال و أسهما في خلق الوعي السياسي و تأجيج الشعور الوطني، و إحياء العزة القومية في نفوس المسلمين عامة.
و كان نضال الإمامين و كفاحهما مضرب الأمثال، لأنه كان نضالا صادقا خالصا لوجه اللّه و الإسلام.
مات الإمامان و لكن تلاميذهما كانوا هم محور النهضة السياسية و الوطنية في تاريخ العالمين العربي و الإسلامي بعد وفاتهما، و ظلت مبادىء جمال الدين الأفغاني و الإمام محمد عبده حية في النفوس مشتعلة في القلوب، مسجلة في أنصع صفحات التاريخ الحديث.