الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٧ - الشيخ محمد رشيد رضا
و تآخى معنا السيد رشيد بحكم صلة الدرس العامة، و بقدرها، و كان هذا لا يمنع بعضنا من توجيه النفس إلى السيد رشيد، توجيها خاصا كلما ظهر السيد رشيد بمواهب ممتازة، قد يطول الحديث عنها، حتى هوجم الأستاذ الإمام في آرائه الدينية و الاصلاحية، مهاجمة عنيفة، من كل القوى التي توفرت لها عوامل الكيد و الاستبداد، و إذا بالسيد رشيد يبرز في وجوده القوي لمناصرة الحق، و الوقوف في وجه هذه الجيوش الحاشدة، فأخذ السيد رشيد يواجه خصوم الشيخ بقلمه و لسانه، و ينشر في مجلة المنار آراء أستاذه و اتجاهاته، و كان يتلقاه من دروس شيخه، و ما كان يعلق عليها بعبارات من عنده تدل على كمال الفهم و استقلال الفكر، و كذلك كان أمر السيد رشيد في كل ما كان يكتب من مقالات، و ما يدون من أبحاث! لأن أسلوب الأستاذ الإمام خلق ممتاز، و سيبقى ممتازا. مات الأستاذ الإمام، و للسيد رشيد في نفوس إخوان الشيخ و ابنائه منزلة سامية، و مع سمو هذه المنزلة لم يخطر ببال أحد أن السيد رشيد سيرث الشيخ فيما كان يدعو إليه، و أنه سيرتفع صوته في بلاد الإسلام النائية؛ و لكن أبى اللّه سبحانه إلا أن يسير السيد رشيد بخطى واسعة الى الامام، و قدر اللّه لصوته و هو على منبر منارة ان يدوي في بلاد الاسلام و الشرق، و لم يصب جهاده في سبيل العلم و الدين بعد وفاة شيخه مع كثر المخاطر شيء من الوهن و الفتور، و لا جرم ان هذه الميزة هبة الهية لا تمنح الا للقليل من أفذاذ الرجال، لأن حياة الأستاذ الإمام كانت قوية في مصر و في غير مصر. لهذا كان بقاء صاحب المنار أكثر من ثلاثين عاما بعد وفاة شيخه في وجوده القوي، يصد عادية جيوش الباطل التي لم تفتر و لم تنم، دليلا ملموسا على أنه من الأفذاذ الذين بخل التاريخ بالكثير من أمثالهم، و لعل أكبر شاهد على ذلك ان مهمة السيد رشيد العلمية لم يستطع إلى الآن أن يقوم بها فرد او جماعة على كثرة العلماء و الكاتبين. ان لصاحب المنار- رحمة اللّه عليه- من حياته العلمية آثارا كثيرة، و جوانب قوية لا أستطيع أن أوفيها حقها. و قد أردت أن تكون كلمتي فيه الآن مقصورة على علمه بالقرآن و بأسرار القرآن، لأن صلتي به