الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٩١ - المذكرة الإيضاحية
و من حسن الحظ أن يجمع كل أهل الغيرة في كل البلاد الإسلامية على رأي واحد في هذه المشكلة هو أن يعرف عالم الدين علوما أخرى يعيش بها و يشارك بها في النهضة ليرتفع مقام الدين عن أن يكون حرفة أو أن يكون سببا للتعطل و الضياع في المجتمع، و سبيل ذلك أن تتطور معاهد الدراسات الإسلامية العالية بحيث تواجه احتياجات النهضة فلا تقتصر على الدراسات الدينية بل يجب أن تجمع إليها علوما أخرى تتحقق بها لكل خريج الخبرة و المعرفة و سلامة العقيدة ليعود هؤلاء الخريجون إلى مراكز القيادة في كل مجال من مجالات النشاط في العالم الإسلامي المتحرر.
هذه الحقائق المسلم بها لا تكاد تجد لها صورة صحيحة في خريجي الأزهر لعصرنا، و من ثم كان نوع من الانعزال بينهم و بين المجتمع الذي يعيشون فيه. و نشأت مشكلة تعطل كبيرة بين هؤلاء الخريجين زادتهم انعزالا عن المجتمع. و أعقبت هذه المشكلة آثارا كبيرة في نفوس الأزهريين و في نفوس الشعب جميعا، كما كان لها أثرها في قوة العقيدة في نفوس هؤلاء و أولئك، أما في نفوس الأزهريين فذلك أن خريج الأزهر حين يتعطل يمكن أن يقع في وهمه أحد أمرين: إما أن عالم الدين مآله التعطل و الهوان، فيصيبه و هن العقيدة قبل أن يصيب غيره، و إما أن الدولة لا تعترف به و الشعب يحاربه، فيعتزل الدولة و المجتمع.
و أما في نفوس الشعب فإن الناس لا يكادون يعرفون الدين إلا من صورة عالم الدين، فإذا كان عالم الدين على ما وصفنا فما أسرع أن يرين الشك على بعض القلوب و تفسد بعض العقائد.
من ذلك أو من بعضه يكون و هن العقيدة و تكون بعض صور الانقسام في المجتمع، و يكون تعقد نفوس كثيرة، و يكون سوء ظن بعض المواطنين ببعض، و سوء رأي بعض المواطنين في بعض.
و يمكن أن نلحظ مثل هذا الشعور في بلاد أخرى وراء حدود وطننا، إذ كان مآل كثيرين من المبعوثين من تلك البلاد إلى الأزهر بعد أن عادوا