الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٦٤ - بعوث الأزهر العلمية
مصر فيلسوف الشرق، جمال الدين الأفغاني، انتظم الشيخ محمد عبده في سلك تلاميذه، و اقتبس من علمه و فلسفته، و لازمه ملازمة ظله، و نال إجازة العالمية، و اختير مدرسا للأدب العربي و التاريخ بدار العلوم و أستاذا للغة العربية بمدرسة الألسن، ثم اشتغل بالتحرير في الوقائع المصرية. و شبت الثورة العرابية، فكان من أبطالها، و نفى من القطر المصري بعد انتهائها، فذهب إلى سورية ثم انتقل إلى باريس. و أنشأ مع أستاذه جمال الدين صحيفة العروة الوثقي. ثم عفى عنه سنة ١٨٨٨ م فعاد إلى مصر، و عين قاضيا في المحاكم الأهلية، ثم كان مفتيا للديار المصرية. و بقى في منصبه مسموع الكلمة، واسع الجاه، شديد البأس، عظيم السلطان- إلى أن وافته منيته سنة ١٩٠٥ م فاهتز العالم الإسلامي لوفاته، و فقد فيه الرائد المصلح، و الشجاع الأبي، و المناضل المكافح، و المشعل الذي أضاء دياجي الظلمات، و السيف الذي روع الاستعمار.
بعوث الأزهر العلمية
اتصل الأزهر بأوربا التي كان يجتويها و ينظر إلى علومها نظرة المعجب لا المصدق و المتفرج لا المتأثر، و المشاهد الذي تدركه الغيبوبة في أثناء شهوده من الدهشة و الغرابة، ففي سنة ١٨٢٦ شهدت باريس و شهد الباريسيون الأزهريين في صفوف بعثات محمد علي، و في سنة ١٨٢٨ شهد السربون حفلا عاما من علماء فرنسا و عظمائها يستمعون إلى الأزهريين في امتحانهم، و يعجبون باجابتهم و يصفقون لهم تنويها بهذا الاعجاب و أثبت الأزهريون عند هذا الامتحان للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث أن الإسلام دين علم، و أنه لين هين لا يستعصى على نزعات الفكر، إنما يستعصى على نزعات الشيطان تزجي اليه باسم العلم و باسم الدين .. نعم، كان المرحوم رفاعة الطهطاوي إمام بعثات القرن التاسع عشر، و كانت وظيفته أن يصلي بالمسلمين من أفرادها، و أن يذكرهم إذا نسوا. و أن يتخولهم بالموعظة ليوقظ فيهم إلى جانب حاسة عرفان العلم، إحساس وجدان