الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٦٥ - بعوث الأزهر العلمية
الفضيلة، و ما لبث رفاعة الأزهري أن كان إمام البعثات في العلم، و مبرزهم في العمل، و سابقهم في الفضل، و لم تمض سنتان على عمله الذي اختطه لنفسه حتى كتب و ترجم و نقل من الشمال إلى اليمين، ما كان قد نقل من اليمين إلى الشمال، فكان فيما كتب و نقل موفقا كل التوفيق و مسددا كل السداد.
رجع رفاعة إلى مصر فاكب و تلاميذه «تلاميذ مدرسة الألسن» على الترجمة و التأليف في السياسة و الاجتماع و الادب و الجغرافيا و التاريخ حتى كان أول من بني قنطرة فوق الهوة التي كانت تفصل الأزهر، بل الشرق كله، عن أوربا. و رفاعة في كل أولئك لم ينس منبته و لا نشأته و لا أزهريته، فإذا كتب في تاريخ فرنسا، كتب إلى جانبه في تاريخ العرب و في تاريخ مصر، و كأنه يقول «لكم تاريخكم و لنا تاريخنا، و لكم تراثكم و لنا تراثنا، و إذا أخذنا فلكي نزيد شخصيتنا لا لنقلل منها» و إذا كتب في جغرافية «ملطبورن» نوره بذكر ياقوت الحموي و أبان عن معجمه، و إذا تحدث عن المرأة قال: إن الإسلام لم يظلمها و إنما ظلمها أهلوها و إن تعاليم الإسلام لم تعد عليها و إنما عدت عليها اعتبارات وضعية من العادات و التقاليد.
و ضرب رفاعة بهذا الاتجاه الجديد المثل الأعلى لمن يريد أن يوفق بين ماضيه و حاضره، و اتخذ لمقياس التقدم وحدة الزمن الثلاثة التي تبتدىء بالماضي، و تتطلع إلى المستقبل، و تتخذ من الحاضر وصلة ما بينهما.
و منذ أكثر من قرن أكب المستشرقون على دراسة الإسلام و علوم الإسلام فبحثوا و أفادوا، و ما يفيد الأزهر أن يقف أمام المتطرف من هذه البحوث موقف الصاخب مكتفيا بما ينقل إليه عنهم إن بالحق و إن بالباطل، بل يجب عليه أن يتصل بهم، و أن ينازلهم في ميدانهم، و أن يقارعهم بأسلحتهم حجة بحجة و دليلا بدليل .. و سيسمع الأزهر عن هؤلاء المستشرقين دروس المل و النحل، الغريب منها عن الإسلام، و المشتق منها من تعاليمه و آياته، و المناسب منها مع عقلية العرب المسلمين، و ما أجبروا عليه إجبارا بلا مسوغ و لا تقدير. سيسمع الأزهر عن قرب و باتصال مباشر كيف تسربت