الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٧٨ - عبد العزيز المراغى
كان عبد العزيز واسع الأفق في نواح من الحياة كثيرة، فقد هيأت له ملابساته- مع ذكائه و فطنته- ان تكشف له كثيرا من حقائقها، كما دفعته إلى تجربة الأمور و ملاحظتها. فاكتسب من وراء ذلك مرانة و خبرة، و حنكة و حسن بصر بالأمور و معالجتها. و قد كان منذ صغره شغوفا بأخيه الأستاذ الشيخ المراغى، يرى فيه نموذجا يقتدى به، و قد جمعت بينهما ظروف الحياة، أكثر مما تجمع بين شقيقين. فرحل معه إلى السودان، و تعلم بكلية غردون. ثم عاد إلى مصر فاندمج في سلك طلاب الأزهر، مبرزا بينهم حتى تخرج منه بأرقى شهاداته حينذاك. و أرسل في بعثة علمية إلى انجلترا، فلبث بها زهاء خمسة أعوام، ازداد فيها علما بالحياة، و معرفة بمذاهبها و مآتيها.
و تخصص في دراسة التاريخ الاسلامي و تاريخ الأديان، و هما من أهم المواد الثقافية صقلا للأذهان، و دعما للتجارب و تبليغا إلى الحق.
و لما بلغ أخوه الأكبر مرتبة المشيخة الجليلة، للمرة الثانية، كان عبد العزيز- و بخاصة بعد عودته من انجلترا- أشد سواعده القوية، و من أقرب مستشاريه إلى نفسه، فحمل معه شيئا من العبء، على مقدار طاقته و جهده. و طبعى أن يصبح في ذلك الحين، موضعا للأمل و الآملين، كما كان محطا للنقد و الناقدين.
و قد استطاع عبد العزيز في هذه الحقبة- و هو على كثب من أمور الأزهر- أن يدرسها ظاهرها و باطنها، صريحها و مؤولها، و أن تتكشف له منها مواضع الداء و أن يقدر لها الدواء. و لا أغلو حينما أذكر أن حدب عبد العزيز على الأزهر، و شغفه به، و أمله القوي أن يسمق بنيانه، و ترتفع أركانه، كان شيئا فوق مكنة الطالب الذي يعشق معهده، و يتعصب له.
و قد عرف فيه إخوانه دماثة الخلق، و المرح، و بشاشة الوجه، و ابتسامة الثغر، و عفة اللفظ، كما كان مطاوعا لكل ذي حديث، و لو كان فيه إملال.
لا يصده عنه إلا بكيس و رفق، و ربما نعى عليه بعض خلطائه أنه يلقى عدوه كما يلقى صديقه، فلا برم و لا تنكر- و ما كانت هذه منه إلا لرحابة صدره