الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٣٤ - جماعة كبار العلماء
الناس و تتحرك الحياة، و يضعون شئون المجتمع و مشاكله نصب أعينهم، و يقفون منه موقف الناصح الأمين.
لعمري لقد ملأ الإيمان قلوب الناس، بل و عقولهم يوم كان الدين روحا و عقيدة و خلقا و عملا. و لم يمتحن المسلمون بأعظم من الجدل في العقيدة و الخلاف في الدين، حتى انحل ما كان معقودا من ألفتهم، و خمد ما كان متأججا من روحهم. و لقد ظهر الغزالى في عصر مفعم بالفتن و الاضطرابات و الجدل و الخلاف، فدعا الناس إلى دين اللّه بلغة العاطفة و القلب حين رأى الدعوة إليه عن طريق الخصومة و الجدل داعية فتنة و ثائرة ضلال، و لكن الغزالى يئس من المجتمع لأنه كان يود أن يرأه مجتمع ملائكة أبرار لا مجتمع شياطين أشرار، فزهد في الحياة، و عزف عن المجتمع، و اعتزل الناس، إيثارا لسلامة الدين و النفس و بعدا عن شرور المجتمع و سيئاته، و قلده في مذهبه الاجتماعي أصحابه و مريدوه، فظلت تلك الروح نزعة لعلمائنا حتى العصر الحديث.
و لقد كانت أسمى غاية للأستاذ الامام محمد عبده من إصلاح الأزهر أن يحمله على الاندماج في المجتمع، و التغلغل في أعماقه، و السمو به- عن طريق الارشاد و التهذيب الديني الصحيح- إلى أبعد ما يستطاع من غايات، و كان يريد من وراء ذلك أن يذكي في الأمة الإسلامية روح القوة و الفضيلة، و أن يدفع بها إلى الحياة الكريمة العزيزة، لتستطيع أن تذود عن حريتها، و تحافظ على تراثها المسلوب، و حتى يتسنى لها- إذا تابعت السير في هذا المضمار- أن تستعيد ما كان لها من مجد باذخ و جلال قديم، فتسير في قافلة الحياة البشرية داعية خير و هدى و سلام. و لقد أبى الأزهر حينئذ أن يستجيب لدعوة الأستاذ. الإمام و آثر أن يعيش في ظلام الجمود و الحيرة، عزوفا عن الجديد الذي كان يؤمن بأنه بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار ...
و بعد ربع قرن من وفاة الأستاذ الإمام تكشفت غيوم الحيرة، و خضدت