الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٧٠ - باب الضّرار
- مقدّمة على دليل نفي الضّرر إذ كلاهما دليل شرعي.
و قال بعضهم في معنى الحكومة بأنّها ما لا يتردّد الناس في تقديم أحد الدليلين على الآخر كالخاص فإنّه حاكم على العام إذ لا يتردّد أحد في تقديمه عليه، و على هذا فلا ريب في إنّه ليس مثل لا ضرر حاكما على مثل الناس مسلّطون على أموالهم إذ يتردّد فيه الناس، بلى ربّما يتردّد فيه الفقهاء المحقّقون العظام، كما قال الشيخ المحقّق المذكور في رسالته انّ تصرّف المالك في ملكه إذا استلزم تضرّر جاره يجوز أم لا، و المشهور الجواز إلخ، و ربّما يقال إنّ قوله لا ضرر و لا ضرار حكمة لا يجوز لنا أن نخترع أحكاما غير منقولة اعتمادا على النّهي عن الضّرر مثلا لو لم يكن فسخ البيع مشروعا في الغبن لم يكن لنا اختراع الفسخ فيه لدفع الضّرر كما لا نقول بتجويز فسخ النكاح للمرأة إذا اقتضى استمراره ضررا على المرأة أو على أحد أقربائها، فيجب في كلّ مسئلة يتمسك فيها بنفي الضرر التماس دليل آخر و يجعل النّفي مؤيّدا له ثمّ إنّ الظاهر من كلام الشيخ المحقّق الأنصاري رحمه اللّه إنّ الحكومة اصطلاح له في دليلين غير قطعيين يحتاج في تقديم أحدهما على الآخر إلى مرجح إسنادي أو دلالي فيكتفي بالحكومة عن الترجيح، و أمّا مثل النهي عن الإضرار و تسلّط الناس على أموالهم و حرمة الغصب و أمثال ذلك فأحكام ضرورية في شرع الإسلام ثابته لا يحتاج في أمثالها إلى ترجيح إسنادي و هو واضح و لا إلى ترجيح دلالي، إذ لا نشك في شمولها لجميع الموارد و لم يخصّص أحدهما بالآخر فكلّ اضرار مبغوض و كلّ غصب حرام، و انّما يشك إذا لم يمكن في مقام العمل امتثال كلا الحكمين، فلا نعلم إنّ الشارع أراد منّا مثلا رعاية حقّ الجار أو رعاية حقّ المالك لا لقصور في دلالة لفظه و شمولها بل لتعارض المصالح و عدم إمكان الجمع بينهما، و هذا النوع من التعارض يسمّى في عرف المتأخّرين بالتزاحم فهو نظير قولهم صل و لا تغصب لأنّ كليهما حكم ضروري ثابت في الشرع بغير تردّد، و لا معنى لترجيح أحدهما على الآخر من جهة السند و لا من جهة الدلالة، و إنّما يشك في كون الصلاة في مكان مغصوب مبغوضة أو مطلوبة لا لضعف إسنادي أو دلالي بل لأمر آخر و هو اجتماعها بسوء اختيار المكلّف، و كذلك معارضة نفي الضّرر و تسلّط الناس على أملاكهم، ثمّ إنّ الضرر الطارئ على الإنسان بسبب التزامه بحكم الشارع ليس منفيّا في الشريعة قطعا كالمستأجر الذي يوجب انتقاله بعد مدة الإجارة عليه ضررا عظيما، و المرأة التي يكون استمرار نكاحها ضررا عظيما و غير ذلك ممّا لا يتناهى في أبواب المعاملات و الأنكحة، كما إنّ الجهاد و الحجّ لا ينفى بأدلّة نفي الحرج فلا يصحّ أن يقال يرتفع جميع الأحكام بقوله «لا ضرر» كما لا يرتفع الجهاد بقوله «لا حرج» و يتضرّر كثير من متديّني التجّار بترك الرّبا لأنّ أكثر المعاملات مبنية عليه فحرمة الإضرار إنّما هي فيما لم يكن ذلك بأمر الشارع و مقتضى أحكامه الثابتة فما يظن إنّ قوله لا ضرر حاكم على جميع الأحكام مشكل، بل يجب تحمّل الضرر كثيرا لوجود ساير الأحكام فإن كانت حكومة كان الحقّ أن يقال ساير الأحكام-