شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٩٦
فجوابه أن هذا من الوهميات الصرفة [١] التي لا يصدقها العقل، إذ ليس وراء العالم خلاء [٢] أو ملاء يمتد فيه الخط، أو ينتهي إليه طرفه، و ما ذكر الإمام من أن صريح العقل شاهد لمسامتة طرف هذا الخط لشيء و وقوعه خارج العالم و إن إنكاره مكابرة في الضروريات مكابرة.
[قال (الثاني) إنا نفرض من نقطة خطين يزداد البعد بينهما على نسبة زيادة امتدادهما بحيث توجد كل زيادة مع المزيد عليه في بعد، فلو امتدا إلى غير النهاية يلزم لضرورة المحافظة على النسبة لوجود بعد مشتمل على الزيادات الغير المتناهية زائد على البعد الأول بقدرها مع انحصاره بين الحاجزين، و الأوضح أن يفرض كون البعد دائما بقدر الخطين بأن تجعل الزاوية ثلثي قائمة، و المثلث متساوي الأضلاع فيلزم بالضرورة من عدم تناهيهما وجود بعد بينهما غير متناه.
فإن قيل: هذا يتوقف على أن يكون للامتداد طرف فيتحقق بعد هو آخر الأبعاد و هو مصادرة.
قلنا: لا بل يستلزمه و هو خلف].
هذا هو البرهان [٣] السلمي و حاصله أنه لو كانت الأبعاد غير متناهية لزم إمكان عدم
[١] سقط من (ب) لفظ (الصرفة)
[٢] الخلاء عند الفلاسفة: خلو المكان من كل مادة جسمانية تشغله فإذا قلت مع (ديكارت) مثلا ان المادة امتداد لزمك القول أن الخلاء المطلق متناقض و محال.
و يطلق الخلاء عند بعضهم على الامتداد الموهوم المفروض في الجسم او في نفسه، الصالح لأن يشغله الجسم، و يسمى أيضا بالمكان و يرى بعض الحكماء أن الخلاء هو البعد المجرد القائم بنفسه سواء كان مشغولا بجسم أو لم يكن، و يسمى عندهم بعدا مفطورا، أو فراغا مفطورا و ما يسميه أفلاطون بعدا مفطورا يسميه المتكلمون فضاء موهوما، و هو الفضاء الذي يثبته الوهم، كالفضاء المشغول بالماء أو الهواء داخل الاناء فهذا الفضاء الفارغ هو الذي من شأنه أن يحصل فيه الجسم و أن يكون ظرفا له، و بهذا الاعتبار يكون حيزا للجسم، و باعتبار فراغه عن شغل الجسم إياه يكون خلاء فالخلاء عند المتكلمين هو هذا الفراغ الذي لا يشغله جسم من الأجسام، و هو غير موجود في الخارج بالفعل بل هو أمر موهوم.
[٣] نعتقد أن تعريف الامام سعد الدين التفتازاني كاف في إيضاحه و لا داعي لايضاحه بتعاريف أخر.