شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٥٢
[قال (و وقوع بعض الغرائب):
من الحيوانات الأخر على ما تقرر في علم الحيوان [١]، و ربما يشهد بأن لها أيضا نفوسا مجردة، و العلم عند اللّه].
ذهب جمهور الفلاسفة، إلى أنه ليست لغير الإنسان من الحيوانات، نفوس مجردة، مدركة للكليات، و بعضهم إلى أنا لا نعرف وجود النفس لها لعدم الدليل، و لا نقطع بالانتفاء لقيام الاحتمال، و ما يتوهم من أنه لو كانت لها نفوس، لكانت إنسانا، لأن حقيقته النفس و البدن لا غير، ليس بشيء، لجواز اختلاف النفسين بالحقيقة، و جواز التميز لفصول أخر لا يطلع على حقيقتها، و ذهب جمع من أهل النظر إلى ثبوت ذلك تمسكا بالمعقول و المنقول. أما المعقول. فهو أنا نشاهد منها أفعالا غريبة تدل على أن لها إدراكات كلية، و تصورات عقلية، كالنحل في بناء بيوته المسدسة [٢]، و الانقياد لرئيس، و النمل في إعداد الذخيرة [٣]، و الإبل و البغل [٤] و الخيل و الحمار، في الاهتداء إلى الطريق في الليالي المظلمة، و الفيل في غرائب أحوال تشاهد منه، و كثير من الطيور و الحشرات في علاج أمراض تعرض لها، إلى غير ذلك من الحيل العجيبة التي يعجز عنها كثير من العقلاء، و أما المنقول فكقوله تعالى وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ [٥] و قوله تعالى وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [٦] الآية. و قوله تعالى يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ
[١] يقول عالم أمريكي اتجهت أنا و كلبي المعلم إلى الغابة و توغلنا فيها بحثا عن النافع النادر. و كم كانت دهشتي عند ما شاهدت ثعبانا ينقض على قدم كلبي و يفرغ فيه كل سمه. و أسرعت خلف الكلب الذي فر هاربا أريد أن أمسك به حتى أعمل له الضمانات اللازمة و اعطيه المصل الوافي من هذا السم.
و لكن الكلب كان أسرع مني إذا أخذ يبحث في الغابة عن شيء معين من أنواع النباتات و أخذ يلتهم منه كمية كبيرة. و بعدها شفي تماما من لدغة الثعبان، و عند تحليل هذه الحشائش أحسسنا أن بها ما يشفي من كل السموم و نتساءل كيف اهتدى الحيوان و ضل الإنسان؟
[٢] و هذا مشاهد في كثير من بيوت النحل و يشهد المهندسون المتخصصون بما في ذلك من حكمة و تدبير.
[٣] المشاهد في جماعات النمل أنها تبقى في الصيف تجمع الغذاء و تقوم بتخزينه إلى فصل الشتاء.
[٤] تصدر من هذه الحيوانات أفعال تجعل الإنسان يقف أمامها مشدوها.
[٥] سورة النور آية رقم ٤١
[٦] سورة النحل آية رقم ٦٨