شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٣٨
الكليات من غير افتقار إلى حصول الصورة في النفس.
و بالجملة: فقد جاز الإدراك من غير ارتسام صورة في المدرك. فلم أوجبتم ذلك في إدراك الكليات مع أنكم تقولون الإدراك معنى واحد يختلف بالإضافة إلى الحس أو العقل.
[قال (تنبيه):
فعندهم لا يبقى إدراك الجزئيات، عند فقد الآلات، و عندنا يبقى، بل الظاهر من قانون الإسلام، الإدراكات المتجددة أيضا، و لهذا ينتفع بزيارة القبور و الاستعانة من نفوس الأخيار].
لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات، فعند مفارقة النفس، و بطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط، و عندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات. إما لأنه ليس بحصول الصورة، لا في النفس، و لا في الحس. و إما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس، بل الظاهر من قواعد الإسلام، أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات متجددة جزئية، و اطلاع على بعض جزئيات أحوال الأحياء [١]، سيما الذين كان بينهم و بين الميت تعارف في الدنيا، و لهذا ينتفع بزيارة القبور، و الاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات، و استدفاع الملمات [٢]، فإن للنفس بعد المفارقة تعلقا ما بالبدن و بالتربة التي دفنت فيها، فإذا زار الحي تلك التربة، و توجهت نفسه [٣] تلقاء نفس الميت حصل بين النفسين ملاقاة و إفاضات.
[١] كما روى في الصحيحين أن الميت و هو في قبره يسمع خفق نعال المشيعين. و روى البخاري بسنده في كتاب الجنائز عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ٩٠ باب كلام الميت على الجنازة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني، و إن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، و لو سمعها لصعق.
[٢] كما يحدث من الأحياء في توسلهم بالأموات و طلبهم منهم قضاء الحاجات و دفع الملمات- و هذا من الشرك الذي نهى اللّه عنه.
[٣] سقط من (أ) لفظ (نفسه)