شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٦
ثم لا خفاء في أن تلك الهوية الاتصالية لا تبقى بنفسها [١] عند طريان الانفصال، بل تنعدم و يحدث هويتان أخريان مع القطع بأنه يبقى في حالتي الاتصال و الانفصال أمر واحد، و هو القابل لهما بالذات، للفرق الضروري بين أن ينعدم جسم بكليته، و يحدث جسمان آخران، أو ينعدم جسمان و يحدث جسم ثالث، و بين أن ينفصل جسم فيصير جسمين، أو يتصل جسمان فيصير جسما واحدا، كماء الجرة يجعل في كيزان، أو ماء الكيزان يجعل في جرة، فذلك أن [٢] الأمر الباقي في الحالين هو المراد بالهيولى، و هو استعداد محض ليس في نفسه بواحد، و متصل ليمتنع طريان الكثرة و الانفصال عليه، مع بقائه بحاله و لا كثير و منفصل ليمتنع طريان الاتصال عليه، بل وحدته و اتصاله بحلول الصورة الاتصالية فيه، و انفصاله و كثرته بطريان الانفصال عليه.
فإن قلت: الهوية الاتصالية بمعنى الامتداد الجوهري مما أنكره المتكلمون، و كثير من الفلاسفة، فكيف يصح دعوى كونها أول ما يدرك من جوهرية الجسم؟
و إنما ذلك هو المقادير و الامتدادات العرضية.
قلنا: لا نزاع في ثبوت جوهر شأنه الامتداد و الاتصال، و في كونه مدركا بالحس و لو بواسطة ما يقوم به من الأعراض. و إنما النزاع في أنه هل هو في نفس الأمر متصل واحد كما هو عند الحس أم لا؟ و على الأول هل هو تمام الجسم أم لا؟ بل يفتقر إلى جزء آخر يتوارد عليه الاتصال و الانفصال، و أما الامتدادات العرضية، أعني المقادير فهي التي أنكرها المتكلمون و كثير من الفلاسفة. أعني القائلين بأنها أمور عدمية لكونها نهايات و انقطاعات، فالسطح للجسم، و الخط للسطح، و النقطة للخط.
و فيما ذكرنا من التقرير دفع لعدة إشكالات تورد في هذا المقام.
الأول: أن كون الاتصال جوهرا أو جزءا من الجسم ظاهر البطلان. إذ لا يعقل
[١] في (ب) بعينها بدلا من (بنفسها)
[٢] سقط من (ب) لفظ (أن)