شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩٩
و يحرق بعض حيواناته، و ما ينفذ في المتخلخل فلا يحرقه، و يذيب ما يصادفه من الأجسام الكثيفة الصلبة، حتى يذيب الذهب في الكيس، و لا يحرق الكيس إلا ما يحرق عن الذوب، و يذيب ضبة الترس، و لا يحرق الترس، و إن من الكواكب ذوات الأذناب ما يبقى عدة شهور، و يكون لها حركات طولية و عرضية إلى غير ذلك من الأمور الغريبة التي لا يكفي فيها ما ذكر من الأسباب المادية و الفاعلية، بل لا بد من تأثير من القوى الروحانية. و قد تواتر في بلاد الترك، و نواحي أرس [١] و بلغار [٢] من خواص النباتات و الأحجار في شأن السحب و الرياح و الأمطار و غير ذلك ما يجزم العقل بأنه ليس صادرا عن النبات و الحجر [٣]، بل عن خالق القوى و القدر، و سمعت غير واحد من الثقات، أنهم إذا سافروا في الصيف، اصطحبوا واحدا من الكفرة يقوم باستعمال بعض تلك الأحجار مبتهلا متضرعا في أثناء ذلك إلى الخالق سبحانه و تعالى على طريقتهم، و له رياضة عظيمة، و ترك للشهوات، و نسب في جماعة مخصوصة مشهورة باستنزال المطر، فيحدث سحابة قدر ما يظل أولئك السفر [٤]، فيها ريح تدفع عنهم البعوض، تسير معهم إذا ساروا، و تقف إذا وقفوا،
[١] لا توجد أرس و إنما توجد أوراس: بالسين المهملة: جبل بأرض إفريقية فيه عدة قبائل من البربر و بعض البلاد، و توجد أرس بالفتح ثم الضم و السين المهملة مشددة موضع في قول مطير بن الأشيم:
تطاول ليلي بالأرس فلم أنم كأني أسوم العين نوما محرّما.
[٢] بلغار: بالضم و الغين معجمة: مدينة الصقالبة ضاربة في الشمال شديدة البرد لا يكاد الثلج يقلع عن أرضها صيفا و لا شتاء، و قلّ ما يرى أهلها أرضا ناشفة، و بناؤهم بالخشب وحده، و هو أن يركبوا عودا فوق عود و يسمروها بأوتاد من خشب أيضا محكمة، و الفواكه و الخيرات بأرضهم لا تنضب، و بين إتل مدينة الخزر و بلغار على طريق المفاوز نحو شهر، و يصعد إليها في نهر إتل نحو شهرين و في الحدود نحو عشرين يوما، و من بلغار إلى أول حد الروم نحو عشر مراحل و منها إلى كوبابة مدينة الروس عشرين يوما، و من بلغار إلى بشجرد خمس و عشرون مرحلة، و كان ملك بلغار و أهلها قد أسلموا في أيام المقتدر باللّه و أرسلوا إلى بغداد رسولا يعرفون المقتدر ذلك و يسألونه إنفاذ من يعلمهم الصلوات و الشرائع. الخ ..
راجع معجم البلدان ح ١ صفحة ٤٨٥ و ما بعدها
[٣] إن النبات لا يملك من أمر نفسه شيئا و كذلك الحجر لأن اللّه سبحانه و تعالى يقول: «أ أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون» و كذلك الحجر فاللّه سبحانه و تعالى هو الخالق و المبدع، و إذا كان قال في حق الخلق جميعا «و اللّه خلقكم و ما تعملون» فكيف بالجماد ..؟
[٤] في (أ) السفر بدلا من (النفر) و هو تحريف.