شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢٤
الحقيقي أقرب، و إلى الواحد الذي هو المبدأ أنسب، كان بإفاضة الكمال عليه أجدر، و خط الاستواء بالضد من ذلك، و هذا و إن أمكن استناده إلى أسباب أرضية، إلا أنه حدسي يكاد يقع به الجزم. كيف لا؟ و مبنى عمارة الأقاليم، و كثرة التواليد فيها على الاعتدال، فما كان منها أوسط، و التوالد و العمارة فيه أوفر، كان إلى الاعتدال الحقيقي أقرب، و عن الفجاجة و الاحتراق أبعد، ثم تلا نزاع في إمكان بقعة أعدل منهما، باتفاق من الأسباب الأرضية].
قد اتفقوا على أنه إذا اعتبرت الأنواع كان أعدل الأمزجة أي أقربها إلى الاعتدال الحقيقي، مزاج نوع الإنسان لأنه متعلق للنفس الناطقة الأشرف، فلا بدّ أن يكون أشرف، أي أقرب إلى الوحدة الحقيقية، و أبعد عن التضاد و الكثرة، و لأنه أحوج الأنواع إلى الأفعال المتقنة التي تعين على بعضها الحرارة كالهضم، و على بعضها البرودة كالإمساك، و على بعضها اليبوسة كالحفظ، و على بعضها الرطوبة كالإدراك.
و اختلفوا في أعدل الأصناف بالنظر إلى أوضاع العلويات. فقال ابن سينا:
سكان خط الاستواء، أي الموضع الموازي لمعدل النهار، و ذلك لتشابه أحوالهم في الحر و البرد، لتساوي ليلهم و نهارهم دائما، و لأنه ليس صيفهم شديد الحر، لأن الشمس تزول عن سمت رأسهم بسرعة، لما تقرر في موضعه من أن حركتها في الميل. أعني البعد عن معدل النهار أسرع عند الاعتدالين، و أبطأ عند الانقلابين، و لا شتاؤهم شديد البرد، لأن الشمس لا تبعد عن سمتهم كثيرا، فلا يعظم التفاوت بين صيفه و شتائه. و مع ذلك فمدة كل منهما قصيرة، و هي شهر و نصف كما مرّ من كون الفصول هناك ثمانية. فالشمس لا تسامتهم عن بعد كثير، بل عن قرب من المسامتة، فهم دائما منتقلون من حالة متوسطة إلى ما يشابهها، فكأنهم في الربيع دائما. و استدل بعضهم على فساد هذا الرأي بوجهين:
أحدهما: أن الشمس تسامت رءوسهم في السنة مرتين، ثم لا تبعد عن المسامتة بأكثر من ثلاثة و عشرين جزءا و نصفا، على ما هو غاية الميل الكلي، فهم