شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٣
الثلاثة. و ميل ابن سينا إلى الثاني، و هو الظاهر من قواعدهم، ثم إنها نفس القوى الثلاث، لا قوة أخرى نستخدمها، لأنه ليس هناك فعل آخر، غير إيراد البدل و التشبيه و الإلصاق، و منها: أنه كيف تصدر هذه الأفعال المتقنة المحكمة على النظام المخصوص عن القوى، التي هي أعراض قائمة بالأعضاء لا يتصور لها قدرة أو إرادة أو علم، خصوصا إذا تؤمل في الصور العجيبة، و الأشكال الغريبة، و النقوش المؤتلفة، و الألوان المختلفة الموجودة في أنواع النبات و الحيوان، فإن العقل لا يكاد يزعن لصدورها عن القوة التي سموها مصورة.
و إن فرضنا كونها مركبة، و كون المواد مختلفة. كيف و قد ورد الكتاب الإلهي في عدة مواضع، باستناد جميع ذلك إلى اللّه سبحانه [١]، و أشار إلى دلالتها على كونه قادرا حكيما، و صانعا قديما. و الفلاسفة أيضا لما رجعوا إلى الفطرة السليمة.
صرحوا بأن هذه القوى، إنما تفعل ذلك بإذن خالقها القدير و موجدها الحكيم الخبير. و منهم من قال، نحن نعلم قطعا أن ما في التغذية و التنمية و التوليد من الحركات، إلى الجهات المختلفة، و من الإلصاقات، و من التشكيلات لا يصح بدون الإدراك. و أن هذا الإدراك ليس للنفس الإنسانية [٢]، فإن هذه الأفعال دائمة في البدن، و النفس غافلة عنها، و تحدس حدسا موجبا لليقين، أن الحيوانات العجم أيضا، لا تدرك أفعال هذه القوى في أبدانها. فإذن هو إدراك موجود آخر له اعتبار بهذه الأنواع.
[قال (خاتمة) النبات كما أنه ليس بحيوان، ليس بحي، لأن الحياة صفة تقتضي الحس،
[١] قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ سورة المؤمنون الآيات ١٢- ١٤.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر يعني ابن كثير مولى بني هاشم حدثنا زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه قال: إذا أتت على النطفة أربعة أشهر بعث اللّه إليها ملكا فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث فذلك قوله (ثم أنشأناه خلقا آخر) يعني نفخنا فيه الروح.
[٢] في (ب) النباتية بدلا من (الإنسانية)