شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٦
الوسط بمعنى أن وضعها من السماء كمركز الكرة عند محيطها، و أنها لا تتحرك لا من المركز. و لا إليه و لا عليه. و استدلوا على ذلك بحسب النظر التعليمي بأدلة مذكورة في كتب الهيئة تفيد الآنية [١]، و بحسب المنظر الطبيعي بما يفيد اللمية على ما ذكر في علم السماء و العالم مثل أن جميع العناصر بل الفلكيات بسائط، و الشكل الطبيعي للبسيط هو الكرة، لأن مقتضى الطبيعة الواحدة لا يختلف، و أن الأرض ثقيل مطلق، فتكون تحت الكل، و هو ما يلي مركز محدد الجهات، و إذا كانت في حيزها الطبيعي لم تتحرك عنه، و لا إليه. و إن في الأرض مبدأ ميل مستقيم على ما يرى في أجزائها، فلا يكون فيها مبدأ ميل مستدير، لتضاد الميلين، فلا تتحرك على المركز، كما ذهب إليه البعض من أن ما يظهر من الطلوع و الغروب بالحركة اليومية مستند إلى حركة الأرض على مركزها، حركة وضعية من المغرب إلى المشرق، و الكل ضعيف، لأنها لا يفيد كونها كذلك في الوجود، لأن مقتضى الطبع قد يزول بالقاسر، فيجوز أن لا تبنى على الكرية، و لا في الوسط، و تتحرك على الاستدارة لا بالطبع كالفلك.
و أما الأدلة التعليمية فكثيرة مذكورة في موضعها، بما عليها من الإشكالات مثل استدلالهم على كرية الماء، بأنه لو لم يكن كريا ساترا بنفسه، لأسافل الجبل الشامخ على ساحل البحر، لظهر الجبل كله دفعة للسائر في البحر، و ليس كذلك لأنه يظهر له رأس الجبل أولا ثم ما تحته قليلا قليلا، و يتحقق ذلك، بأن توقد نيران على مواضع مختلفة من أعلى الجبل إلى أسفله. و مثل استدلالهم على كون
و العناصر عند القدماء أربعة: و هي النار، و الهواء، و الماء، و التراب،
[١] الآنية: اصطلاح فلسفي قديم معناه تحقق الوجود العيني، زعم ابو البقاء: انه مشتق من (إن) التي تفيد في اللغة العربية التأكيد و القوة في الوجود، قال: و لهذا اطلقت الفلاسفة لفظ (الانية) على واجب الوجود لذاته لكونه اكمل الموجودات في تأكيد الوجود و في قوة الوجود، و هذا لفظ محدث ليس من كلام العرب (راجع كليات ابي البقاء) و زعم بعض المحدثين ان الانية لفظ معرب عن كلمة (اين) اليونانية التي معناها كان أو وجد، و اختلفوا في ضبط هذه الكلمة، فقرأها بعضهم آنية كما في تعريفات الجرجاني و هو خطأ لان الآنية نسبة الى الآن و قرأها بعضهم أنية نسبة الى أن المخففة.
و الأنية: تحقق الوجود العيني و الدليل على ذلك قول الجرجاني: الأنية هي تحقق الوجود العيني من حيث مرتبته الذاتية.