شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٦١
مسبوق بمادة، يحل فيها [١] كالصور و الأعراض، أو يتعلق بها كالنفوس و العقول مبرأة عن ذلك. و منها أن كلّا من العقول نوع ينحصر في شخص، لأن تكثر أشخاص النوع [٢] الواحد لا يكون إلا بحسب المواد، و ما يكتنفها من الهيئات، و منها أن كمالاتها حاصلة بالفعل، لأن خروج الشيء من القوة إلى الفعل، لا يكون إلا بما له مادة، تندرج في الاستعدادات، بحسب تجدد المعدات من الأوضاع و الحركات، و منها أنها عاقلة لذواتها، و لجميع الكليات. أما لذواتها، فلأنها حاضرة بماهياتها عند ذواتها المجردة، و هو معنى التعقل، إذ لا يتصور في تعقل الشيء لنفسه حصول المثال المطابق، و أما لغيرها، فلأنها مجردة، و كل مجرد يمكن أن يعقل لبراءته من الشوائب [٣] المادية، و اللواحق الغريبة، المانعة عن التعقل، و كل ما يمكن أن يعقل، فإنه يمكن أن يعقل مع غيره من الكليات، لأن الصور العقلية ليست متعاندة، بل متعاونة، [٤] و كل ما يمكن أن يعقل مع غيره صح أن يقارنه من غير أن تتوقف صحة المقارنة على حصولهما في جوهر العاقل، لأن ذلك متأخر عن صحة المقارنة ضرورة تقدم إمكان الشيء على حصوله. فلو توقفت صحة المقارنة عليه لزم الدور. فإذن صحة مقارنة المجردات و سائر الكليات ثابتة عند حصول المجرد في الأعيان، فيثبت صحة تعقله [٥] إياها، إذ لا معنى له سوى مقارنتها للمجرد، و حضورها عنده، و كل ما يصح للعقول المجردة، فهو حاصل بالفعل لما مرّ، فتكون عاقلة لذواتها، و لجميع المعقولات، ثم إنك خبير بابتناء [٦]
[١] في (ب) يحصل بدلا من (يحل)
[٢] في (أ) بزيادة لفظ (النوع)
[٣] الشوب: الخلط، و قد شبت الشيء أشوبه فهو مشوب و قول الشاعر:
سيكفيك ضرب القوم لحم معرص و ماء قدور في القصاع مشيب إنما بناه على شيب الذي لم يسم فاعله أي مخلوط بالتوابل و الصباغ و قولهم: ما عنده شوب و لا روب أي لا مرق و لا لبن و في المثل هو يشوب و يروب، يضرب لمن يخلط في القول أو العمل و الشائبة: واحدة الشوائب، و هي الأقذار و الأدناس.
[٤] في (ب) متقارنة بدلا من (متعاونة)
[٥] في (ب) تعلقه بدلا من (تعقله)
[٦] في (ب) بابتناء و في (أ) (بانتفاء)