شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٦
و ثانيهما: القول بالطفرة [١]، و هو أن يترك المتحرك حدا من المسافة، و يحصل في حد آخر من غير محاذاة و ملاقاة لما بينهما، و حاصله قطع بعض حدود المسافة من غير ملاقاة لأجزائه و حينئذ لا يلزم امتناع أن يصل المتحرك إلى غاية ما أو يلحق السريع البطيء، و كلا الأمرين باطل بالضرورة. أما التداخل فلأن حاصله تساوى الكل، و الجزء في العظم، و أما الطفرة فلأن معناها يؤول إلى قطع مسافة ما، من غير حركة فيها، و قطع لأجزائها، و من الشواهد الحسية لبطلانها أنا نمد القلم فيحصل خط أسود، من غير أن يبقى في خلاله أجزاء بيض، و ليس ذلك لفرط اختلاط الأجزاء البيض بالسود، بحيث لا يمتاز عند الحس لأن الأجزاء المحسوسة [٢] أقل من المطفور عنها بكثير، بل لا نسبة لها إليها؛ لكونها غير متناهية، فينبغي أن يقع الإحساس بالبيض، و قد يستدل على نفي التداخل بأنه إن كان بالأسر بمعنى أن يلاقي الجزء بكليته الجزء الآخر بحيث يصير حيزاهما [٣] واحدا لم يكن الوسطاني حاجبا للطرفين عن التماس، و بقي [٤] الإشكال بالنظر إلى الأجزاء المتماسة، بل لو وقع ذلك في جميع الأجزاء لم يحصل هناك حجم، و تأليف، و امتداد في الجهات، فلم يحصل الجسم، و إن كان لا بالأسر، و ذلك بأن يلاقي الجزء الجزء، و يداخله بشيء دون شيء لزم التجزي، و لو بالفرض مع بقاء الإشكال بحاله. و اعلم أن النّظّام لم يقل بتأليف الجسم من أجزاء غير متناهية، لكنه لما قال بالجزء، و نظر في أدلة نفيه، سيما ما يتعلق بلزوم بطلان حكم الحس، كتفكك الرحى و نحوه، اضطر إلى الحكم بأن كل جزء فهو قابل للانقسام لا إلى نهاية، و لما كان من مذهبه أن حصول الأقسام من لوازم قبول الانقسام، لزمه القول
[١] الطفرة: قال ابن حزم في كتابه الفصل: نسب قوم من المتكلمين الى ابراهيم النظام أنه قال:
إن المار على سطح الجسم يسير من مكان الى مكان بينهما أماكن لم يقطعها هذا المار و لا مر عليها و لا حاذاها و لا حل فيها. و هذا عين المحال و التخليط إلا إن كان هذا على حد قوله في أن ليس في العالم الا جسم حاشا الحركة فقط. فانه و ان كان قد أخطأ في القصة فكلامه الذي ذكرنا خارج عليه خروجا صحيحا لأن هذا الذي ذكرنا ليس موجودا البتة إلا في حاسة البصر فقط. راجع ما كتبه ابن حزم في هذا الموضوع و دائرة المعارف للقرن العشرين ص ٧٥١ ج ٥
[٢] في (ب) الممشوقة بدلا من (المحسوسة)
[٣] في (ب) جزءاهما بدلا من (حيزاهما).
[٤] في (ب) و بقى بدلا من (و نفى)