شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٥٨
فعلى الأول: يلزم أن يكون الشكل الحادث من فعل المصورة في المنى هو الكرة على ما هو شأن فعل القوة الغير الشاعرة في المادة المتشابهة.
و على الثاني: يلزم أن يكون الحاصل كرات مضمومة بعضها إلى بعض، و أن لا يبقى وضع الأعضاء و ترتيبها على نسبة واحدة لكون المنى رطوبة سيالة لا يحفظ الوضع و الترتيب.
فإن قيل: إنما يمتنع اختلاف آثار القوة العديمة الشعور، في المادة الواحدة لو لم تفد القوة المفصلة فيها تمييز أجزاء [١]، و اختلاف مواد للأعضاء.
قلنا: فيعود الكلام إلى القوة المفصلة. فإن اعترفوا بأن القوى في مرتبة الوسائط و الآلات، لا الفواعل و المؤثرات. و المؤثر إنما هو خالقها القادر المختار الفعال لما يشاء، فقد اهتدوا و لم يبق سبيل إلى إثبات القوى. و الحاصل أن ما يدرك بعلم التشريح [٢] من الصور و الكيفيات و الأوضاع في بدن الإنسان يمتنع أن يجعل فعل القوة المصورة في مادة المنى، إما من جهة الفاعل، فلكونه عديم الشعور. و إما من جهة القابل، فلكونه متشابها.
و قد يجاب عن الأول. بأنه استبعاد و إنما يمتنع لو لم يكن ذلك بإذن خالقها، بمعنى أنه خلقها كذلك، و أوجدها كذلك. و عن الثاني: بأنه لو سلّم بساطة القوة المصورة، و تشابه أجزاء المنى، فلا خفاء في أنه من أجسام مختلفة الطبائع و حينئذ لا يلزم أن يكون الحيوان كرة أو كرات، إذ لا يلزم أن يكون فعل القوة في المركب فعلها في واحد واحد من الأجزاء [٣].
[١] في (ب) تميزا آخر بدلا من (تمييز أجزاء)
[٢] علم التشريح هو العلم الذي يبحث عن أعضاء الحيوان و الإنسان ليعرف ما بها من داء و يطبب لها الدواء و هو فن لا يتقنه إلا أولى الألباب من صفوة البشر و لقد عرف العرب قديما علم التشريح. و منه تشريح اللحم قال الراجز:
كم قد أكلت كبدا و إنفحة ثم ادخرت ألية مشرحة و القطعة منه تسمى: شريحة، و كل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة و شريح.
و شرح اللّه صدره للإسلام فانشرح و شراحيل: اسم كأنه مضاف إلى إيل و يقال: شراحين أيضا بابدال اللام نونا عن يعقوب.
[٣] في (ب) الأجزام بدلا من (الأجزاء)