شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥٦
و الجواب أنها مقدمات حدسية، حيث يحكم العقل الجازم بانتظام السماويات بثبوتها عند إدراك الاختلافات من غير ملاحظة وسط و ترتيب، و هم معترفون بذلك مصرحون به في أمر الخسوف [١] و الكسوف [٢] و نحوهما، و لهذا اختلفوا و ترددوا فيما لم يحكم الحدس [٣] به كالمجرة و محور القمر [٤]. و أن اختلاف الشمس بالسرعة و البطء مبني على التدوير أو الخارج المركز و إن حركات أوجات الممثلات بأنفسها أو بالفلك الثامن.
الحدسيات المشهورة عنده
[قال (كما تحدسوا) من اختلاف التشكلات نور القمر على حسب اختلاف أوضاعه من الشمس، أنه في نفسه مظلم، يستضيء بالشمس، فعند الاجتماع يكون وجهه المظلم إلينا، و هو المحاق، و إذا انحرف إلينا من جهة المضيء قدر ما يرى فهو الهلال، ثم يتزايد إلى أن يبلغ الاستقبال، فيصير وجهه المضيء كله إلينا و هو البدر، ثم ينحرف فيأخذ النور في النقصان إلى المحاق].
أورد هاهنا [٥] من الحدسيات المشهورة فيما بينهم إضاءة القمر بالشمس،
[١] سبق الكلام على ظاهرة الخسوف في هذا الجزء
[٢] سبق الحديث على ظاهرة الكسوف في هذا الجزء
[٣] الحدس الذي اصطلح عليه الفلاسفة القدماء مأخوذ من معنى السرعة في السير. قال ابن سينا:
الحدس حركة الى إصابة الحد الأوسط إذا وضع المطلوب أو إصابة الحد الاكبر اذا اصيب الأوسط و بالجملة سرعة الانتقال من معلوم الى مجهول. (النجاة ص ١٣٧) و قال الجرجاني في تعريفاته: الحدس هو سرعة انتقال الذهن من المبادي الى المطالب و قال التهانوي: الحدس هو تمثل المبادي المرتبة في النفس دفعة من غير قصد و اختيار سواء بعد طلب أولا، فيحصل المطلوب.
و الحدس عند بعض الاشراقيين: هو ارتقاء النفس الانسانية الى المبادي العالية حتى تصبح مرآة مجلوة تحاذي شطر الحق، فتمتلئ من النور الإلهي الذي يغشاها.
[٤] في (ب) نحو بدلا من (محور) و هو تحريف
[٥] في (أ) منها بدلا من (هاهنا)