شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١١
و منها: أن انقسام المحل، يستلزم انقسام الحال فيه لذاته، ليمتنع حلول البسيط في العاقل الجسماني، المنقسم البتة، بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزأ، و لا يخفي أن بعض هذه المقدمات مما قامت عليه الحجة.
[قال (الثاني) إنها تدرك ذاتها، و آلاتها، و إدراكاتها [١]، و لا يلحقها بكثرة الأفعال، و ضعف الأعضاء و الآلات ضعف و كلال [٢]. بل قوة و كمال، و لا شيء من القوى الجسمانية كذلك، و مرجعه إلى استقراء و تمثيل].
أي من الوجوه الاحتجاج على تجرد النفس، أنها متصفة بصفات لا توجد للماديات، و كل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة.
بيان الأول: أنها تدرك ذاتها و آلاتها و إدراكاتها، و لا يلحقها بكثرة الإدراكات و ضعف القوى البدنية ضعف و كلال، بل ربما تصير أقوى و أقدر على الإدراك، و لا شيء من القوى الجسمانية كذلك، و هذا يمكن أن يجعل وجوها:
أحدها: أنها تدرك ذاتها، و آلاتها، و إدراكاتها، و المدرك الجسماني ليس كذلك كالباصرة، و السامعة، و الوهم، و الخيال، لأنها إنما تعقل بتوسط آلة، و لا يمكن توسط الآلة بين الشيء و ذاته و آلته و إدراكاته.
و ثانيها: أن النفس لا تضعف في التعقل عند ضعف البدن و أعضائه و قواه، بل تثبت علمه أو تزيد، فإن الإنسان في سن الانحطاط، يكون أجود تعقلا منه في سن
[١] سقط من (أ) لفظ (و ادراكاتها).
[٢] الكل: العيال و الثقل: قال اللّه تعالى: وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ و الجمع الكلول.
و الكلّ: اليتيم، و الكل: الذي لا ولد له و لا والد يقال منه كلّ الرجل يكل كلالة. و العرب تقول لم يرثه كلالة قال الفرزدق:
ورثتم قناة الملك غير كلالة عن ابن مناف عبد شمس و هاشم و الاكليل: شبه عصابة تزين بالجوهر، و يسمى التاج إكليلا و أكل الرجل بعيره أي أعياه و أصبحت مكلا: أي ذا قرابات و هم عليّ عيال.
و سحاب مكلل: أي ملمع بالبرق، و اكتل الغمام بالبرق أي لمع و كلله: أي ألبسه الإكليل. و روضة مكللة: أي حفت بالنور.