شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٦٢
هذه الفروع على مقدمات فلسفية غير مسلمة عند المتكلمين، فلا حاجة إلى التنبيه.
[قال و إنها مبادي يعني أحوال العقول أنها مبادي لكمالات النفوس الفلكية و البشرية بل النفوس و الأجرام أنفسها].
بمعنى أن الموجب لتلك الحركة السرمدية هو العقل لا بطريق المباشرة، و إلا لكان له تعلق بالجسم من طريق التصرف فيه، فلم يكن عقلا، بل بطريق الإفاضة [١] على النفس المحركة بقوته التي لا تتناهى، و بقبولها منه ذلك الفيض، و تأثيرها تأثيرا غير متناه عن سبيل الوساطة دون المبادئية لامتناع صدور غير المتناهي عما يتعلق بالأجسام، ما لم يكن مستمرا من مبدأ عقل غير متناهي القوة، و منها أن الأخير من العقول، و هو المسمى بالعقل الفعال، يعطي النفوس البشرية كمالاتها، و يخرجها من القوة إلى الفعل في تعقلاتها، و نسبته إلى النفوس نسبة الشمس إلى الأبصار بل أتم، و هو كالخزانة للمعقولات إذا أقبلنا عليه قبلنا منه، و إذا اشتغلنا عنه بجانب الحس، انمحت [٢] عنا الصورة العقلية كالمرآة، فإنها إذا حوذي بها صورة تمثلت فيها. فإذا أعرض بها عنها يزال ذلك التمثل، و ربما تمثل فيها غير تلك الصورة على حسب ما يحاذي بها، فكذا النفس إذا أعرض بها عن جانب القدس إلى جانب الحس، أو إلى أي شيء آخر من أمور القدس، و منها أن مبدأ النفوس كلها، من حيث هي نفوس، يجب أن يكون من العقول، إذ لا يجوز أن يكون هو الواجب، لأن النفوس لا تكون إلا مع الأجسام فلا تصدر عن الواحد الحقيقي، و لا أن تكون من الأجسام و أجزائها، و أحوالها، لأنها إنما تفعل بمشاركة
[١] فاض الخير يفيض و استفاض، أي شاع، و هو حديث مستفيض أي منتشر في الناس، و فاض صدره بالسر: أي باح به، و فاض اللئام: كثروا.
و أفاض الناس من عرفات إلى منى أي دفعوا. و كل دفعة إفاضة و أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه.
و الفيض: نيل مصر، قال الأصمعي: و نهر البصرة يسمى فيضا و قولهم: أعطاه غيضا من فيض، أي أعطاه قليلا من كثير
[٢] في (ب) انحجبت بدلا من (انمحت)