شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٢٢
و الأوضاع الفلكية، و الاتصالات الكوكبية، و وجود كل منها مشروط بانقضاء الآخر لا إلى بداية على سبيل التجدد و الانقضاء دون الترتيب في الوجود، على ما هو شأن العلل و المعلولات، ليلزم التسلسل المحال.
فإن البرهان [١] إنما قام على استحالة التسلسل في المبادي المترتبة دون المعدات المتصرمة، لأنا نقول: بعض البراهين كالتطبيق و التضايف يتناول ما يضبطها الوجود مترتبة سواء كانت مجتمعة أو متصرمة كما سبق آنفا.
و لو سلّم فالكلام في العالم الجسماني فيجوز أن يكون حادثا مستندا الى حوادث متعاقبة، لا أول لها كتصورات أو إرادات من ذات مجردة، مثل ما ذكرتم في الحادث اليومي. لا يقال تعاقب الحوادث، إنما يصح في الجسمانيات دون المجردات لما سبق من أن كل حادث مسبوق بمادة و مدة.
لأنا نقول: قد سبق الكلام على ذلك هنالك. و أما تفصيلا فهو. أنا لا نسلّم أنه لو كان جميع ما لا بد منه في إيجاد العالم حاصلا في الأزل، كان العالم أزليا، و إنما يلزم لو لم يكن من جملة ما لا بد منه، الإرادة التي من شأنها الترجيح و التخصيص متى شاء الفاعل من غير افتقار الى مرجح و مخصص، من خارج قولكم يلزم تخلف المعلول عن تمام علته و هو باطل، لامتناع الترجيح بلا مرجح.
قلنا: لا نسلم بطلان التخلف في العلة المشتملة على الإرادة و الاختيار،
[١] البرهان: هو الحجة الفاصلة البينة يقال برهن يبرهن برهنة اذا جاء بحجة قاطعة للدد الخصومة، و برهن بمعنى بين، و برهن عليه أقام الحجة، و في الحديث: «الصدق برهان» البرهان هنا الحجة او الدليل. و البرهان عند الأصوليين ما فصل الحق عن الباطل، و ميز الصحيح عن الفاسد بالبيان الذي فيه (تعريفات الجرجاني) أما عند الفلاسفة: فهو القياس المؤلف من اليقينيات سواء كان ابتداء و هي الضروريات أو بواسطة و هي النظريات (تعريفات الجرجاني) قال ابن سينا: البرهان قياس مؤلف من يقينيات لانتاج يقيني (النجاة ص ١٠٣) و الحد الأوسط في هذا القياس لا بد من ان يكون علة نسبة الأكبر الى الأصغر فإذا اعطاك علة اجتماع طرفي النتيجة في الذهن و الوجود معا سمي برهان اللم، قال ابن سينا: البرهان المطلق هو برهان اللم و برهان الإنّ (راجع النجاة ص ١٠٣- ١٠٤)