شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢٩
جهة الماء، و ميل أغصانها في الصعود من جانب الموانع إلى الفضاء، ثم ليس هذا ببعيد عن القواعد الفلسفية، فإن تباعد الأمزجة عن الاعتدال الحقيقي، إنما هو على غاية من التدريج، فانتقاص استحقاق الصور الحيوانية و خواصها، لا بدّ أن تبلغ قبل الانتفاء إلى حد الضعف و الخفاء، و كذا النباتية.
و لهذا اتفقوا على أن من المعدنيات ما وصل إلى أفق النباتية، و من النباتات ما وصل إلى أفق الحيوانية كالنخلة، و إليه الإشارة بقوله عليه السلام:
«أكرموا عمتكم النخلة» [١].
[قال (و المراد بالحيوان) ما يعمه و أجزاءه و متولداته كالشعر و العظم و اللبن و الابريسم و اللؤلؤ.
و بالنبات ما يعم نحو الأشجار و الأثمار، و ما يتخذ منها، و المرجان و بالمعدن ما سوى ذلك من الممتزجات، و لو بالصنعة كالزنجار و السنجرف، ليتم حصر الأجناس. و أما حصر الأنواع فلا سبيل إليه للبشر].
إشارة إلى دفع ما يورد على حصر الأجناس في الثلاثة. حيث يوجد أشياء ليس فيها مبدأ الحس و الحركة، مع القطع بأنها ليست من النبات أو المعدن، كبعض أجزاء الحيوان و متولداته، كالعظم و الشعر و اللبن و العسل و اللؤلؤ و الابريسم، و ما أشبه ذلك، و أشياء لا يطلق عليها اسم النبات و المعدن كالثمار و ما يتخذ منها، و كالزنجار و السنجرف و نحو ذلك.
[١] لفظ الحديث: أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم و ليس من الشجر شجرة اكرم على اللّه من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر».
رواه أبو نعيم في الأمثال عن على مرفوعا، و أخرجه أبو يعلي في مسنده عن ابن عباس و لكن بلفظ نزلت بدل ولدت، و بلفظ فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم، و ليس من الشجر يلقح غيرها، و أخرجه عثمان الدارمي بلفظ «أطعموا نفساءكم الرطب، فإن لم يكن رطب فالتمر، و هي الشجرة التي نزلت مريم ابنة عمران تحتها، و في سنده ضعف و انقطاع و في خبر من كان طعامها في نفاسها تمرا جاء ولدها حليما، و رواه في الإصابة بلفظ «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطينة التي خلق منها آدم» قال و في سنده ضعف و انقطاع انتهى.
و قال في الدرر: رواه أبو يعلي، و أبو نعيم عن ابن عباس بسند ضعيف بلفظ: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم» و في الباب: نعم المال النخل. و شبه النبي صلى اللّه عليه و سلم- النخلة بالمؤمن، فإنها تشرب برأسها و إذا قطع ماتت و ينتفع بجميع أجزائها- انتهى.