شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٥٠
باقية على حالها، بحيث لا تفاوت فيما جعلته المتخيلة جزئية إلا بالكلية و الجزئية، كانت الرؤيا غنية عن التعبير، و إلا فإن كان هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها، كما إذا صور المعنى بصورة لازمة أو ضده مثلا، فهي رؤيا تعبّر، و معنى التعبير هو التحليل بالعكس لفعل التخيل، حتى ينتهي إلى مشاهدته النفس عند الاتصال بعالم الغيب، فإن المتخيلة لما فيها من غريزة المحاكاة، و الانتقال تترك ما أخذت، و تورد شبهه أو ضده أو مناسبه، و ربما تبدل ذلك إلى آخر و آخر، و هكذا إلى حين اليقظة، فالمعبر ينظر في الحاضر أنه صورة لأية صورة و تلك لأية صورة أخرى، إلى أن ينتهي إلى الصورة التي أدركتها النفس، و إن لم يكن هناك مناسبة توقف عليه، فتلك الرؤيا تعد في أضغاث الأحلام، و قد يقع ذلك بأسباب أخر، مثل أن تبقى صورة المحسوس في الخيال، فتنتقل في النوم إلى الحس المشترك [١]، و مثل أن تألف الفكرة صورة، فتنتقل منها عند النوم إلى الخيال، ثم منه إلى الحس المشترك، و مثل أن يتغير مزاج الروح، الحامل للقوة المتخيلة، فتتغير أفعالها بحسب [٢] تلك التغيرات، فمن غلب على مزاجه الصفراء حاكته [٣] بالأشياء الصفراء، و الدم فبالحمراء، و السوداء فبالسوداء، و البلغم فبالجمد و الثلج.
[قال (و قالوا فيما يتعلق باليقظة):
إن النفس قد تقوى على الانقطاع عن عالم الحس، و الاتصال بعالم الغيب، و المتخيلة على استخلاص الحس المشترك عن الحواس الظاهرة، فتطلع على بعض المغيبات، و ربما يكون ذلك بسماع صوت لذيذ أو هائل أو مكتوبا، أو تخاطبا من إنسان، أو ملك، أو جنى [٤]، أو هاتف غيب، و قد يقع بعض ذلك عند
[١] سقط من (ب) لفظ (المشترك)
[٢] في (ب) بتلك بدلا من (بحسب تلك)
[٣] في (ب) كانت بدلا من (حاكته)
[٤] يقول الإمام الغزالي- رحمه اللّه- و من أول الطريق تبدأ المكاشفات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، أو يسمعون منهم إشارات.
و لا عجب في ذلك فلن يتم ذلك لكل من يطلبه و لكن لصفوة مختارة و هم الذين عناهم اللّه بقوله: