شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣
ثم افترقت الفلاسفة القائلون بلا تناهي الانقسامات فرقتين، منهم من جعل قبول الانقسام مفتقرا إلى الهيولي، و منهم من منع ذلك، و أما ما نسب إلى النجار، و ضرار [١]، من المعتزلة، من أن الجسم مؤلف من محض الأعراض، من الألوان، و الطعوم، و الروائح، و غير ذلك، فضروري البطلان. و الذي يعتبر به من المذاهب في حقيقة الجسم ثلاثة:
الأول: للمتكلمين أنه من الجواهر الفردة، المتناهية العدد.
الثاني: للمشاءين من الفلاسفة، أنه مركب من الهيولي و الصورة.
الثالث: للاشراقيين منهم أنه في نفسه بسيط كما هو عند الحس ليس فيه تعدد أجزاء أصلا، و إنما يقبل الانقسام بذاته، و لا ينتهي إلى حد لا يبقى له قبول الانقسام، كما هو شأن مقدورات اللّه تعالى. و كأنه وقع اتفاق الفرق على ثبوت مادة يتوارد عليها الصور و الأعراض، إلا أنها عند الاشراقيين [٢] نفس الجسم، يسمى من حيث قبول المقادير مادة و هيولى، و المقادير من حيث الحلول فيه صورا، و عند
[١] هو ضرار بن عمرو القاضي معتزلي جلد له مقالات خبيثة. قال يمكن أن يكون جميع من يظهر الاسلام كفارا في الباطن لجواز ذاك على كل فرد منهم في نفسه. قال المروزي، قال أحمد بن حنبل. شهدت على ضرار عند سعيد بن عبد الرحمن الجمحي القاضي فأمر بضرب عنقه فهرب و قيل: إن يحيى بن خالد البرمكي أخفاه. قال ابن حزم كان ضرار ينكر عذاب القبر. ذكره العقيلي في الضعفاء، و ذكره ابن النديم في الفهرست و ذكر له ثلاثين كتابا فيها الرد على المعتزلة و الخوارج و الروافض، و لكنه كان معتزليا له مقالات ينفرد بها و قال ابن حزم خالف المعتزلة في خلق الافعال و في القدرة و كان يقول إن الاجسام انما هي اعراض مجتمعة. راجع لسان الميزان ج ٣ ص ٢٠٣
[٢] الاشراق في اللغة: الإضاءة و الإنارة، يقال: أشرقت الشمس طلعت و أضاءت، و أشرق وجهه أي أضاء. و الاشراق في اصطلاح الحكماء هو ظهور الأنوار العقلية و لمعانها و فيضانها على الأنفس الكاملة عند التجرد عن المواد الجسمية (راجع حكمة الاشراق، طبعة كورين طهران ١٩٥٢ ص ٢٩٨) و تختلف حكمة الاشراق عند الفلسفة الأرسطية بأنها مبنية على الذوق و الكشف و الحدس، في حين أن الفلسفة الارسطية مبنية على الاستدلال و العقل و اكتساب النفس للمعرفة في فلسفة ابن سينا لا يتم بالاحساس و لا بالخيال و لا بالوهم، بل يتم بالعقل، و أعلى درجات العقل الإنساني العقل المستفاد الذي يتلقى الاشراق من العقل الفعال. راجع كتاب الشفاء لابن سينا ص ٣٥٦