شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٥٩
[قال (و أما الاعتراض):
بأن قوى النفس آلات لها و خوادم، فيمتنع حدوثها [١] قبل التنفس، و فعلها بذاتها فإنما يتوجه لو جعل النفس حادثة بعد البدن، و المصورة عن قوى نفس المولد، كالغاذية و النامية. و دل على اضطرابهم في ذلك، اضطرابهم في أن الجامع للأجزاء، و الحافظ لها ما ذا؟ فذكر الإمام. أن الجامع لأجزاء بدن الجنين نفس الأبوين، ثم يبقى المزاج في تدبير نفس الأم إلى أن يستعد كحدوث نفس تكون هي الحافظة له و الجامعة لسائر الأجزاء. و نقل ابن سينا: أن الجامع نفس الأبوين، و الحافظ للاجتماع أولا القوة المصورة لذلك البدن، ثم نفسه الناطقة. و صرح في الشفاء بأن الجامع للاسطقسات بدن كل حيوان و المؤلف لها على ما يصلح، و الحافظ لنظامه على ما ينبغي هي النفس التي له، و الأشبه ما قيل، أن المتصرف أولا نفس الأبوين بقواها إلى أن يفرز من الأخلاط، ما يصلح مادة للمنى، و بعدها لصورة تحفظ مزاجه، ثم يتكامل في الرحم إلى أن يستعد لنفس يصدر عنها، مع حفظ المزاج الأفعال النباتية، فتجذب الغذاء إلى تلك المادة، و تعدها لقبول نفس يصدر عنها مع ما سبق الأفعال الحيوانية، و هكذا إلى الناطقة].
قد يورد هاهنا سؤال. و هو أن الفلاسفة يجعلون المولدة و المصورة و غيرهما، قوى للنفس، و آلات لها، و النفس [٢] حادثة بعد حدوث المزاج [٣]، و تمام صور الأعضاء فالقول باستناد صور الأعضاء إلى المصورة، قول بحدوث الآلة قبل ذي الآلة، و فعلها بنفسها من غير مستعمل إياها و هو باطل.
و جوابه بعد تسليم أن النفس ليست بقديمة، كما هو رأي بعض الفلاسفة، و لا
[١] في (ب) صدورها بدلا من (حدوثها)
[٢] سقط من (ب) لفظ (النفس)
[٣] مزاج البدن: ما ركب عليه من الطبائع، و مزاج الشراب ما يمزج به، و المزج: العسل قال أبو ذؤيب
فجاء بمزج لم ير الناس مثله هو الضحك إلا أنه عمل النحل و الموزج معرّب و أصله بالفارسية: موزه. و الجمع: الموازجة مثال: الجورب و الجواربة.