شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩٨
و ربما يصير يقينا بالنسبة إلى بعض الأذهان لمعونة [١] القرائن، و أنه لا يمتنع تكونها بأسباب أخر، و إن بعض ما ذكروا من الأسباب ناقص يفتقر إلى تأثير من القوى الروحانية، و فيما يشاهد في بلاد الترك من خواص النباتات و الأحجار في أمر الرياح و الأمطار ما يشهد بأن لا مؤثر إلا اللّه و لا خالق سواه].
يعني أن ما ذكر في الآثار العلوية [٢]. أي التي فوق الأرض و السفلية أي التي على وجهها و تحتها [٣]، إنما هو رأي الفلاسفة لا المتكلمين القائلين باستناد جميع ذلك إلى إرادة القادر المختار. و مع ذلك. فالفلاسفة معترفون بأنها ظنون مبنية على حدس [٤] و تجربة، يشاهد أمثالها كما يرى في الحمام من تصاعد الأبخرة و انعقادها، و تقاطرها [٥]، و في البرد الشديد من تكاثف ما يخرج بالأنفاس كالثلج، و في المرايا من اختلاف الصور و الألوان، و انعكاس الأضواء على الأنحاء المختلفة، إلى غير ذلك، فهذا و أمثاله من التجارب و المشاهدات ما يفيد ظن استناد تلك الآثار إلى ما ذكروا من الأسباب، و قد ينضم إليها من قرائن الأحوال، ما يفيد اليقين الحدسي [٦]، و يختلف ذلك باختلاف الأشخاص فيحصل اليقين للبعض دون البعض. و اعترفوا أيضا بأنه لا يمتنع استنادها إلى أسباب أخر، لجواز أن يكون للواحد، بالنوع علل متعددة، و أن يكون صدوره عن البعض أقليا، و عن البعض أكثريا. و بأن في جملة ما ذكر من الأسباب ما يحكم الحدس، بأنه غير تام السببية، بل يفتقر إلى انضمام قوى روحانية لولاها لما كانت كافية في إيجاب ما هي أسبابه، فإن من الرياح ما يقلع الأشجار العظيمة، و يختطف المراكب من البحار، و إن من الصواعق ما يقع على الجبل فيدكه، و على البحر فيغوص فيه،
[١] في (أ) لوجود بدلا من (لمعونة).
[٢] كالسماء التي رفعت بغير عمد، و ما فيها من نجوم و كواكب و غير ذلك من أشياء تدل دلالة قاطعة على الصانع الحكيم.
[٣] على وجهها من النبات و الأشجار و ما تخرجه من أثمار و أزهار تسقى بماء واحد و تختلف في الشكل و الطعم.
[٤] سبق الحديث عن الحدس في كلمة وافية.
[٥] هناك نظرية علمية تقول: إذا التقى بخار ساخن بجسم صلب بارد تحول إلى ماء.
[٦] سقط من (ب) لفظ (الحدسي).