شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٤٤
يعني أن كمال القوة النظرية معرفة أعيان الموجودات، و أحوالها و أحكامها كما هي [١]، أي على الوجه الذي هي عليه، و في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية، و تسمى حكمة نظرية، و كمال القوة العملية، القيام بالأمور على ما ينبغي. أي على الوجه الذي يرتضيه العقل الصحيح [٢]، بقدر الطاقة البشرية، و تسمى حكمة عملية، و فسروا الحكمة على ما يشمل القسمين، بأنها خروج النفس من القوة إلى الفعل، في كمالها الممكن، علما و عملا، إلا أنه لما كثر الخلاف، و فشا [٣] الباطل، و الضلال، في شأن الكمال، و في كون الأشياء كما هي، و الأمور على ما ينبغي، لزم الاقتداء في ذلك بمن ثبت بالمعجزات الباهرة، أنهم على هدى من اللّه تعالى، و كانت الحكمة الحقيقية هي الشريعة، لكن لا بمعنى مجرد الأحكام العملية، بل بمعنى معرفة النفس ما لها و ما عليها، و العمل بها على ما ذهب إليه أهل التحقيق من أن الحكمة المشار إليها في قوله تعالى: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٤] هو الفقه، و أنه اسم للعلم و العمل جميعا. و قد قسم الحكمة المفسرة بمعرفة الأشياء كما هي إلى النظرية و العملية، لأنها إن كانت علما بالأمور المتعلقة لقدرتنا و اختيارنا فعملية، و غايتها العمل، و تحصيل الخير، و إلا فنظرية، و غايتها إدراك الحق، و كل منهما ينقسم بالقسمة الأولية إلى ثلاثة أقسام.
فالنظرية إلى الإلهي، و الرياضي، و الطبيعي، و العملية إلى علم الأخلاق،
[١] سقط من (أ) جملة (كما هي)
[٢] في (ب) السليم بدلا من (الصحيح)
[٣] في (ب) و انتشر بدلا من (و فشا)
[٤] سورة البقرة آية رقم ٢٦٩ و يرى بعض العلماء أنها ليست النبوة و لكنه العلم و الفقه و القرآن، و قال أبو العالية: الحكمة:
خشية اللّه فإن خشية اللّه رأس كل حكمة، و قد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني عن أبي عمار الأسدي عن ابن مسعود مرفوعا (رأس الحكمة مخافة اللّه) و قال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب و الفهم. و قال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم، و قال أبو مالك:
الحكمة السنة، و قال ابن وهب عن مالك. قال زيد بن أسلم الحكمة العقل. قال مالك، و إنه ليقع في قلبي أن الحكمة: هو الفقه في دين اللّه و أمر يدخله اللّه في القلوب من رحمته و فضله. و قال السدى: الحكمة: النبوة. و جاء في بعض الأحاديث: من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحي إليه. رواه وكيع بن الجراح في تفسيره عن إسماعيل بن رافع.