شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٦
و لا نسلّم أن القسر لا يكون إلا على خلاف الطبع، و أن القاسر لا يكون إلا متشابها، ليلزم تشابه الحركات، و أن الكلى من الإرادة. و الإدراك لا يصلح مبدأ لخصوصيات الحركات. لم لا يجوز أن تستند الحركات المتعاقبة إلى إرادات و إدراكات كلية متعاقبة، لا إرادة و إدراك للحركة على الإطلاق.
و تحقيق ذلك ما أشار إليه ابن سينا في الإشارات، من أن المطلوب بالحركة الوضعية، لا يكون إلا الوضع المعين، و يمتنع أن يكون موجودا، لأن الحاصل لا بطلب، و أن يكون في الحركة السرمدية [١] جزئيا، لأن الحركة المتوجهة إليه تنقطع عنده، فمطلوب إرادة الفلك، يجب أن يكون وضعا معينا مفروضا كليا تفرضه الإرادة. و تتجه إليه بالحركة، و المتعين، لا ينافي الكلية، لأن كل واحد من كل كلى، فله مع كليته تعين يمتاز به عن سائر آحاد ذلك الكلى.
و اعلم أن المشهور من مذهب المشائين [٢]، و المذكور في النجاة و الشفا، أن النفوس الفلكية، قوى جسمانية منطبعة في المواد، بمنزلة نفوسنا الحيوانية.
و صرح في الإشارات. بأن لها نفوسا مجردة، بمنزلة نفوسنا الناطقة.
فقال الإمام: فيجب أن يكون لكل فلك نفس مجردة، هي مبدأ الإرادة الكلية، و نفس منطبعة هي مبدأ الإرادة الجزئية.
و ردّ عليه الحكيم المحقق [٣]. بأن هذا مما لم يذهب إليه أحد، و أن الجسم الواحد يمتنع أن يكون ذا نفسين. أعني ذا ذاتين متباينتين، هو آلة لهما، بل الإرادات الجزئية تنبعث عن إرادة كلية، و مبدؤهما نفس واحدة مجردة، تدرك المعقولات بذاتها، و الجزئيات بجسم الفلك، و تحرك الفلك بواسطة صورته النوعية، التي هي باعتبار تحريكها قوة، كما في نفوسنا و أبداننا بعينها. و لا يخفى أن هذا مناقشة في اللفظ حيث سمي تلك الصورة و القوة نفسا.
[١] السرمد: الدائم قال اللّه تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ.
سورة القصص آية ٧١-- ٧٢
[٢] سبق الحديث عن المشائين في كلمة وافية.
[٣] هو نصير الدين الطوسي و سبق الحديث عنه في هذا الجزء و تكلمنا عن موقف ابن قيم الجوزية منه.