شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٧
فنائها قولا بثبوت اللازم لثبوت الملزوم، و قد سبق في بحث امتناع بقاء العرض بطلان دليل هذه الملازمة، فاندفع ما ذكره الفريقان مع إمكان البعد عن النقض، بأنه يجوز أن تفني الأجسام بعد بقائها، بأن لا يخلق اللّه تعالى فيها الأعراض التي يكون بقاء الجسم محتاجا إليها مشروطا بها كالأكوان و غيرها على ما ذهب إليه القاضي و إمام الحرمين أو بأن لا يخلق فيها العرض الذي هو البقاء كما قال الكعبي [١]، أو بأن يخلق فيها عرضا هو الفناء إما متعددا كما قال أبو علي: أنه تعالى يخلق لكل جوهر فناء، و إما غير متعدد كما قال غيره. إن فناء واحدا يكفي لإفناء كل الأجسام، و زعم بعضهم أن قول النظام بعدم بقاء الأجسام مبني على أن الجسم عنده مجموع أعراض، و العرض غير باق، و قد نبهناك على أن ليس مذهبه أن الجسم عرض، بل إن مثل اللون و الطعم و الرائحة من الأعراض أجسام قائمة بأنفسها، و أما الفلاسفة فلا نزاع لهم في فناء الأجسام بزوال الصور النوعية، و الهيئات التركيبية، و إنما النزاع في فنائها بالكلية، أعني الهيولي و الصورة الجسمية، و مبني ذلك عندهم على اعتقاد أزليته المستلزمة لأبديته، فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و سيرد عليك شبههم بأجوبتها.
[قال (و منها أن الجسم لا يخلو عن شكل) لتناهيه، و عن حيز بحكم الضرورة إلا أن خصوصيات ذلك عندنا بمحض خلق اللّه تعالى و زعمت الفلاسفة أن لكل جسم شكلا طبيعيا و حيزا طبيعيا ضرورة أنه لو خلى و طبعه لكان على شكل و في حيز مكانا كان أو غيره، و يلزم أن يكون معينا لاستحالة الحصول في المبهم، و لا يكون إلا واحدا لكونه مقتضى الواحد.
[١] هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي من بني كعب. البلخي الخراساني أبو القاسم، أحد أئمة المعتزلة. كان رأس طائفة منهم تسمى «الكعبية» و له آراء و مقالات في الكلام انفرد بها و هو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة و توفي ببلخ عام ٣١٩ ه له كتب منها «التفسير» و تأييد مقالة أبي الهذيل، و أدب الجدل، و غير ذلك. قال السمعاني من مقالته. أن اللّه تعالى ليس له إرادة و أن جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة و لا مشيئة منه لها. (راجع تاريخ بغداد ٩: ٣٨٤ و المقريزي ٢: ٣٤٨).