شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٧٢
من عالم الحس، و هو ظاهر، و لا العقل بكونها ذوات مقادير، و لا مرتسمة في آلة جسمانية، لامتناع ارتسام الكبير في الصغير، و هذه شبهة واهية بنيت عليها دعوى عالية، فلم يلتفت إليه المحققون من المتكلمين و الحكماء و الفلاسفة].
يشير إلى ما ذهب إليه بعض المتألهين من الحكماء، و نسب إلى القدماء، من أن بين عالمي المحسوس و المعقول واسطة، يسمى عالم المثل [١]، ليس في تجرد المجردات، و لا في مخالطة الماديات، و فيه لكل موجود من المجردات و الأجسام و الأعراض حتى الحركات و السكنات و الأوضاع و الهيئات و الطعوم و الروائح، مثال قائم بذاته، معلق لا في مادة و محل يظهر للحس بمعونة مظهر كالمرآة و الخيال و الماء و الهواء و نحو ذلك. و قد ينتقل من مظهر إلى مظهر، و قد يبطل، كما إذا فسدت المرآة و الخيال، أو زالت المقابلة أو التخيل.
و بالجملة: هو عالم عظيم الفسحة غير متناه يحذو حذو العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية، و قبول عناصره و مركباته آثار حركات أفلاكه، و إشراقات العالم العقلي، و هذا ما قال الأقدمون أن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي، لا تتناهى عجائبه، و لا تحصى مدته [٢]، و من جملة تلك المدن جابلقا و جابرصا، و هما مدينتان عظيمتان، لكل منهما ألف باب لا يحصى ما فيهما من الخلائق، و من هذا العالم تكون الملائكة و الجن و الشياطين و الغيلان لكونها من قبيل المثل، أو النفوس الناطقة المفارقة الظاهرة فيها، و به تظهر المجردات في صور مختلفة بالحسن، و القبح، و اللطافة، و الكثافة، و غير ذلك، بحسب استعداد القابل و الفاعل، و عليه بنوا أمر المعاد الجسماني، فإن البدن المثالي الذي تتصرف فيه النفس، حكمه حكم البدن الحسي، في أن له جميع الحواس الظاهرة و الباطنة، فيلتذ و يتألم باللذات و الآلام الجسمانية، و أيضا يكون من الصور
[١] أول من تكلم بذلك هو (أفلاطون) و في الحقيقة أن الفلسفة اليونانية، و الفارسية و الهندية و كل الفلسفات التي لم تهتد بالوحي هي أضاليل و أوهام لأن العقل قاصر له حد محدود يقف عنده و لا يتعدا و العاقل من جعل التنزيل دليله و منهجه و سار على ما سار عليه الصحابة و التابعون- الذين التزموا بكتاب ربهم و سنة نبيهم- صلى اللّه عليه و سلم.
[٢] في (ب) مدنه بدلا من (مدته)