شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٦٤
الأخير بمعونة الأوضاع و الحركات. و قيل صدر عن العقل الأول باعتبار إمكانه هيولى الفلك الأعظم، و باعتبار وجوده صورته، و باعتبار علمه بوجوب وجوده بعلته عقله، و باعتبار علمه بعلته نفسه، و اعلم أنه لما ثبت عندهم امتناع صدور الكثير عن الواحد الحقيقي، ذكروا طريقا [١] في صدور الكثرة عن الواحد، على أنه احتمال راجح في نظرهم من غير قطع به، و لم يجعلوا الوجود و الإمكان و نحو ذلك عللا مستقلة، بل اعتبارات و حيثيات، تختلف بها أحوال العلل [٢] الموجدة على ما قال في الشفاء. نحن لا نمنع أن يكون عن شيء واحد، ذات واحدة، ثم يتبعها كثرة إضافية، ليست في أول وجودها، داخلة في مبدأ قوامها، بل يجوز أن يكون الواحد يلزم عنه واحد، ثم ذلك الواحد يلزمه حكم أو حال أو صفة أو معلول، و يكون ذلك أيضا واحدا، ثم يلزم عنه لذاته شيء، و بمشاركة ذلك اللازم شيء، فتنبع من هناك كثرة، كلها تلزم ذاته، فيجب أن يكون مثل هذه الكثرة هي العلة، لإمكان وجود الكثرة معا عن المعلولات الأولى، ثم العقول ليست متفقة الأنواع، حتى يلزم [٣] اتفاق [٤]، آثارها بأن يصدر عن كل منها عقل و نفس، و فلك. بل يجوز أن تنتهي سلسلة العقول إلى ما يكون مبدأ الهيولي العناصر، و ما يعرض لها من الصور و الأعراض، بحسب ما له من الحيثيات، و ما يحصل للمواد من الاستعدادات، بخلاف الواجب، فإنه ليس فيه كثرة حيثيات و اعتبارات، و أما السلوب و الإضافات فإنما تعقل بعد ثبوت الغير، فلو علل ثبوت الغير بها كان دورا، و لم يقطعوا بأن العقول ليست فوق العشرة، و أن حيثيات كل عقل تنحصر في الثلاث أو الأربع، فلا يمتنع أن يكون مبدأ فلك الثوابت عقولا كثيرة، أو عقلا واحدا، باعتبارات و حيثيات غير محصورة و بما ذكر يندفع اعتراضات:
الأول: أن الوجود و الوجوب و الإمكان إن كانت أمورا اعتبارية لا تحقق لها في
[١] في (ب) جعلوا ما ذكر بدلا من (ذكروا)
[٢] في (ب) الفلك بدلا من (العلل)
[٣] في (ب) حيث بدلا من (حتى)
[٤] في (ب) إثبات بدلا من (اتفاق)