شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٢٩
و الجنة عن ابتهاجها بكمالاتها، و النار عن تعلقها بأبدان حيوانات أخر تناسبها فيما اكتسبت من الأخلاق، و تمكنت فيها الهيئات معذبة بما يلقى فيها من الذل و الهوان [١] مثلا تتعلق نفس الحريص بالخنزير، و السارق بالفأر، و المعجب بالطاووس، و الشرير بالكلب، و يكون لها تدرج في ذلك، بحسب الأنواع و الأشخاص، أي تنزل من بدن إلى بدن، هو أدنى في تلك الهيئة المناسبة، مثلا تبتدي نفس الحريص من التعلق ببدن الخنزير، ثم إلى ما دونه في ذلك، حتى تنتهي إلى النمل [٢]، ثم تتصل بعالم العقول عند زوال تلك الهيئة بالكلية.
ثم إن من المنتمين من التناسخية إلى دين يروجون هذا الرأي بالعبارات المهذبة، و الاستعارات المستعذبة، و يصرفون إليه بعض الآيات الواردة في أصحاب النار، اجتراء على اللّه، و افتراء على ما هو دأب الملاحدة و الزنادقة، و من يجري مجراهم من الغاوين المغوين، الذين هم شياطين الإنس، الذين يوحون إلى العوام و القاصرين من المحصلين زخرف القول غرورا [٣].
فمن جملة ذلك ما قالوا في قوله تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [٤] أي بالفساد بدلناهم جلودا غيرها، أي بالكون، و في قوله تعالى كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها [٥] أي من دركات جهنم التي هي أبدان الحيوانات، و كذا في قوله تعالى فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [٦] و قوله تعالى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ [٧] و في قوله تعالى وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [٨] الآية معناه أنهم كانوا مثلكم في الخلق و المعايش و العلوم و الصناعات، فانتقلوا إلى أبدان هذه
[١] في (ب) الهواء بدلا من (الهوان).
[٢] في (ب) النحل بدلا من (النمل)
[٣] الآية (يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا) الأنعام ١١٢.
[٤] سورة النساء آية رقم ٥٦.
[٥] سورة السجدة آية رقم ٢.
[٦] سورة غافر آية رقم ١١.
[٧] سورة المؤمنون آية رقم ١٠٧.
[٨] سورة هود آية رقم ٦.