شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٩
و أما بين تلك الأمور و امتناع حلولها في المادة، فهو أن من جملة معقولاتها الواجب و أن لم تعقله بالكنه، و الجواهر المجردة، و إن لم نقل بوجودها في الخارج، إذ ربما يعقل المعنى فيحكم بأنه موجود، أو ليس بموجود، و لا خفاء في امتناع حلول [١] صورة المجرد في المادي، و منها المعاني الكلية التي لا يمنع نفس تصورها الشركة كالإنسانية المتناولة بزيد و عمرو، فإنها يمتنع اختصاصها بشيء من المقادير و الأوضاع و الكيفيات و غير ذلك، مما لا ينفك عنه الشيء المادي في الخارج، بل يجب تجردها عن جميع ذلك، و إلا لم تكن متناولة لما ليس له ذلك.
و الحاصل أن الحلول في المادي، يستلزم الاختصاص بشيء من المقادير، و الأوضاع و الكيفيات، و غير ذلك [٢]. و الكلية تنافي ذلك. فلو لم تكن النفس مجردة لم تكن محلا للصورة الكلية، عاقلة لها، و اللازم باطل. و منها المعاني التي لا تقبل الانقسام، كالوجود و الوحدة، و النقطة و غير ذلك. و إلا لكان كل معقول مركبا من أجزاء غير متناهية بالفعل و هو محال.
و مع ذلك، فالمطلوب و هو وجود ما لا ينقسم أصلا، حاصل، لأن الكثرة عبارة عن الوحدات، و إذا كان من المعقولات ما هو واحد غير منقسم (لزم أن يكون محله العاقل له غير جسم، بل مجردا، لأن الجسم و الجسماني منقسم) [٣]. و انقسام المحل مستلزم لانقسام الحال، فيما يكون الحلول لذات المحل، كحلول السواد و الحركة و المقدار في الجسم، لا لطبيعة تلحقه، كحلول النقطة في الخط لتناهيه، و كحلول الشكل في السطح، لكونه ذا نهاية واحدة أو أكثر، و كحلول المحاذاة في الجسم، من حيث وجود جسم آخر على وضع ما فيه، و كحلول الوحدة في الأجزاء من حيث هي مجموع، و منها المعاني التي لا يمكن اجتماعها إلا في المجردات دون الجسم، كالضدين و كعدة من الصور و الاشكال، فإنه لا تزاحم بينها في العقل، بل نتصورها، و نحكم فيما بينها، بامتناع الاجتماع في محل واحد من المواد الخارجية حكما ضروريا.
[١] سقط من (أ) لفظ (حلول).
[٢] سقط من (ب) لفظ (و غير ذلك)
[٣] ما بين القوسين سقط من (ب).