شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٨
و أمثال ذلك، و لا خفاء في احتمال التأويل، و كونها على طريق التمثيل، و لهذا تمسك بها القائلون بتجرد النفوس زعما منهم، أن مجرد مغايرتها للبدن يفيد ذلك، و قد يستدل بأنها لا دليل على تجردها، فيجب أن لا تكون مجردة، لأن الشيء إنما يثبت بدليل، و هو مع ابتنائه على القاعدة الواهية يعارض بأنه لا دليل على كونها جسما أو جسمانيا، فيجب أن لا تكون كذلك.
[قال (احتجوا) بوجوه:
الأول: أنها بتعلقها تكون محلا لما ليس بمادي كالمجردات، و لما يمتنع اختصاصه لوضع و مقدار كالكليات، و لما لا يقبل الانقسام كالوجود، و الوحدة، و النقطة، و سائر البسائط التي إليها تنتهي المركبات، و لا يمتنع اجتماعه في جسم كالضدين، بل الصور و الأشكال المختلفة دون مجرد، إذ لا تزاحم فيه بين الصور، و لو من الضدين أو النقيضين، و مبناه على أن كون التعقل بحصول الصورة، و على نفي ذي وضع غير منقسم، و على تساوي الصورة و ذي الصورة، في التجرد و في الوضع و المقدار، و في قبول الانقسام، و في التضاد و إعدامها، و على استلزام انقسام المحل انقسام الحال، فيما يكون الحلول لذات المحل، لا لطبيعة تلحقه كالنقطة في الخط المتناهي].
أي احتج القائلون بتجرد النفس بوجوه:
الأول: أنها تكون محلا لأمور يمتنع حلولها في الماديات، و كل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة. أما بيان كونها محلا لأمور هذا شأنها، فلأنها تتعقلها و قد سبق أن التعقل، إنما يكون بحلول الصورة، و انطباع المثال، و المادي لا يكون صورة لغير المادي، و مثالا له.
قالوا: أي شيء نشتهي و نحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا». و رواه أبو داود في الجهاد ٢٥، و الترمذي في التفسير سورة ٣، ١٩ و ابن ماجه في الجنائز ٤ و الجهاد ١٦ و أحمد بن حنبل في المسند ٦: ٣٨٦.