شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٦
البدن، فيفيد كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى المذكورة. فيما سبق احتج القائلون بكونها من قبيل الأجسام بوجوه:
الأول: أن المدرك للكليات أعني النفس هو بعينه المدرك للجزئيات. لأنا نحكم بالكلي على الجزئي. كقولنا هذه الحرارة حرارة، و الحكم بين الشيئين، لا بد أن يتصورهما، و المدرك للجزئيات جسم، لأنا نعلم بالضرورة، أنا إذا لمسنا النار، كان المدرك لحرارتها، هو العضو اللامس، و لأن غير الانسان من الحيوانات يدرك الجزئيات، مع الاتفاق على أنا لا نثبت لها نفوسا مجردة.
و ردّ بأنا لا نسلم أن المدرك لهذه الحرارة هو العضو اللامس، بل النفس بواسطته، و نحن لا ننازع في أن المدرك للكليات و الجزئيات هو النفس، لكن للكليات بالذات و للجزئيات بالآلات، و إذا لم يجعل العضو مدركا أصلا، لا يلزم أن يكون الإدراك مرتين، و الإنسان مدركين على ما قيل.
و يمكن دفعه بأنه يستلزم إما إثبات النفوس المجردة للحيوانات الأخر، و إما جعل إحساساتها للقوى و الأعضاء، و إحساسات الإنسان للنفس بواسطتها مع القطع بعدم التفاوت.
الثاني: أن كل واحد منا يعلم قطعا أن المشار إليه بأنا و هو النفس. متصف بأنه حاضر هناك، و قائم و قاعد [١] و ماش و واقف، و نحو ذلك من خواص الأجسام و المتصف بخاصة الجسم جسم. و قريب من ذلك ما يقال: إن للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار إليه، بأنا أعني النفس، مثل إدراك حرارة النار، و برودة الجمد [٢]، و حلاوة العسل، و غير ذلك من المحسوسات، فلو كانت النفس مجردة، أو مغايرة للبدن، امتنع أن تكون صفتها غير صفته [٣].
و الجواب: أن المشار إليه. بأنا و إن كان هو النفس على الحقيقة، لكن كثيرا ما
[١] سقط من (ب) لفظ (و قاعد).
[٢] في (ب) الثلج بدلا من (الجمد).
[٣] في (ب) عين بدلا من (غير).