شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٤
متجانسة، إلا أن النصوص شهدت بأن للإنسان روحا [١] وراء هذا الهيكل المحسوس، الدائم التبدل و التحلل، و كادت الضرورة تقتضي بذلك، و لو بأدنى بنية، و هو المراد بالنفس الإنسانية، و المعتمد من آراء المتكلمين.
إنها جسم لطف سار في البدن لا يتبدل و لا يتحلل، أو الأجزاء الأصلية الباقية، التي لا تقوم الحياة بأقل منها، و كأنه المراد بالهيكل المحسوس، و البنية المحسوسة: أي من شأنها أن تحس، و من آراء الفلاسفة و كثير من المسلمين، أنها جوهر مجرد متصرف في البدن، متعلق أولا بروح قلبي، يسري في البدن، فيفيض على الأعضاء قواها لنا وجوه:
الأول: إنا نحكم بالكلي على الجزئي، فيلزم أن ندركهما، و مدرك الجزئي منه هو الجسم، ليس إلا كما في سائر الحيوانات.
الثاني: أن كل أحد يقطع بأن المشار إليه بأنا حاضر هناك و قائم و قاعد، و ما ذلك إلا الجسم.
الثالث: لو كانت مجردة لكانت نسبتها إلى الأبدان على السواء، فجاز أن ينتقل فلا يكون زيد الآن، هو الذي كان، و الكل ضعيف.
الرابع: ظواهر النصوص، و لا تفيد القطع، و أما الاستدلال، بأنه لا دليل على تجردها، فيجب نفيه، فمع ضعفه معارض، بأنه لا دليل على تحيزها فيجب نفيه.
يعني لما لم يثبت عند المتكلمين اختلاف أنواع الأجسام، و استناد الآثار
[١] قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد اللّه- هو ابن مسعود- رضي اللّه عنه. قال حدثنا رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و سلم- و هو الصادق المصدوق «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح و يؤمر بأربع كلمات. رزقه و أجله و عمله، و هل هو شقي أو سعيد فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، و إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها». أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش.