شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠
الافتراق، بحيث لا يبقى اجتماع أصلا، و ذلك لأن نسبة القدرة إلى الضدين على السواء، و إذا حصل الافتراق ثبت الجزء الذي لا يتجزأ، إذ لو كان قابلا للتجزي لكان الاجتماع باقيا هذا خلف.
الثاني: أنه لو لم يثبت الجزء الذي لا يتجزأ لما كان الجبل أعظم من الخردلة، لأن كلا منهما حينئذ يكون قابلا لانقسامات غير متناهية، فتكون أجزاء كل منهما غير متناهية من غير تفاضل، و هو معنى التساوي.
فإن قيل: غايته لزوم الاستواء في عدد الأجزاء، بأن يكون أجزاء كل منهما غير متناهية العدد، و هو غير محال، و المحال استواء مقداريهما، و هو غير لازم.
أجيب: بأن الاستواء في الأجزاء يستلزم الاستواء في المقدار، ضرورة أن تفاوت المقادير إنما هو بتفاوت الأجزاء، بمعنى أن ما يكون مقداره أعظم تكون أجزاؤه أكثر، فما لا تكون أجزاؤه أكثر لا يكون مقداره أعظم. و قد تقرر هذا الوجه بحيث لا يبتنى على استلزام قبول الانقسام حصول الأقسام، و هو أنه لو كان كل من السماء و الخردلة قابلا للانقسام من غير انتهاء إلى ما لا يقبل الانقسام أصلا، كانت الأجزاء الممكنة حينئذ [١] في كل منهما متساوية للتي في الأجزاء [٢] الأخر، و أمكن أن يفصل من الخردلة صفائح تغمر وجهى السماء، بل أجزاء تغمر الوجهين، و تملأ ما بين السطحين، و بطلانه ضروري. و جوابه بعد تسليم البطلان ما سبق أن ليس معنى قبول الانقسامات الغير المتناهية إمكان خروجها من القوة إلى الفعل. فمن أين يلزم إمكان حصول أقسام لا نهاية لها، و إمكان انفصالها؟
الثالث: أنه لو لم ينته انقسام الجسم إلى ما لا يكون له امتداد، و قبول انقسام لزم أن يكون امتداد كل جسم حتى الخردلة غير متناه القدر، لتألفه من امتدادات غير متناهية العدد، و منها ما يبتنى على كون الحركة عبارة عن حصولات متعاقبة من غير استقرار، و الزمان [٣] عبارة عن آنات متتالية، و هو وجه واحد، تقريره أن وجود
[١] سقط من (ب) لفظ (حينئذ)
[٢] في (ب) بزيادة كلمة (الأجزاء)
[٣] الزمان: الوقت كثيرة و قليله و هو المدة الواقعة بين حادثتين أولاهما سابقة و ثانيتهما لا حقة،